منذ دخوله مملكة الاعجاب باسرائيل تحوّل الكاتب المسرحي المصري علي سالم الي ما يشبه نكتة ثقافية سمجة.
تقدم النكتة صورة مثقف عربي منفتح وديمقراطي، يرضي طوعا بالتحول الي جزء من لوحة ثقافية عالمية تجد في دعم اسرائيل وسيلة جديدة ومواربة لتجديد خطابها العنصري ضد العرب.
اما السماجة فتتجلي في اصرار السيد سالم علي تصوير نفسه كضحية تواجه قمعا ثقافيا في بلادها؟
بطولة من لا بطولة له، هذه هي اللعبة التي لا يتوقف السيد سالم عن اللعب بها والتلاعب امامها. عته فكري اصاب الرجل من زمان وحوله حالة اعلامية في الثقافة العربية. السيد سالم، الذي نفخته وسائل الاعلام الغربية فانتفخ، غائب في الثقافة، ولا يحضر اعلاميا الا في صورة فضيحة كمثل منحه دكتوراه فخرية من جامعة بن غوريون في بئر السبع، بسبب شجاعته في الدعوة الي تطبيع العلاقات بين مصر واسرائيل ، ويتوقف البيان الذي اصدرته الجامعة الاسرائيلية عند لمعان نجم علي سالم في الثقافة المصرية .
لا اريد الدخول في مناقشة حول نتاج سالم الادبي، صاحب مدرسة المشاغبين الذي توقف عن الابداع منذ زمن ليس قصيرا، ولن اعلق علي لمعانه الاسرائيلي الذي ينسب الي الثقافة المصرية زورا. كما لا اسعي الي فتح مناقشة مع سالم حول مواقفه السياسية واعجابه المفرط باسرائيل، ولست في وارد مناشدته رفض هذا التكريم الاسرائيلي، فليكن السيد سالم ما يريد، وليفعل ما يحلو له، وليذهب الي جنته الاسرائيلية، ومبروك عليه دكتوراه بن غوريون وجامعته.
حتي ادانة الانبطاح امام اسرائيل صار غير ذي جدوي، في ظلّ انهيار الانظمة العربية امام الضغط الامريكي، ومحاولاتها شراء البقاء في السلطة من خلال البوابة الاسرائيلية. اريد فقط ان اشير الي تحوّل الكاتب الي مهرج. نعم مجرد مهرج. فبعد قرار الاكاديميين البريطانيين بمقاطعة جامعتي حيفا وبار ايلان، تأتي جامعة بن غوريون كي تمسح القرار البريطاني بكاتب عربي. هذه هي المسألة كلها، ففي المعركة الكبري التي بدأت دفاعا عن المؤرخ الاسرائيلي الشجاع ايلان بابيه، ووصلت الي ذروتها مع قرار الاساتذة البريطانيين، يتطوع كاتب مصري كي يبرهن للمثقفين الاوروبيين، الذين يخوضون معركة ثقافية كبري دفاعا عن الحق الفلسطيني، بأن معركتهم خاسرة. او يتطوع كي يسمح للجامعات الاسرائيلية بخوض معركة اعلامية مضادة. المعركة بعلي سالم سوف تكون تافهة بالطبع، فالرجل لا يملك من صفات المثقف العام شيئا، لكنها سوف تسمح بضجيج اعلامي يأمل الاسرائيليون في استغلاله في معركتهم من اجل مواجهة رأي عام ثقافي عالمي بدأ يضيق بالممارسات العنصرية والاستيطانية الاسرائيلية. المثقف، علي صورة السيد علي سالم، مجرد مهرج. يفتح له الاعلام الامريكي ابوابه فيصدق الكذبة، ويسكر بمجد وهمي ويرقص علي ايقاع طبول صنعت خصيصا من اجل ترقيص هواة الرقص. السؤال ليس موجها الي علي سالم، بل الي الثقافة. فالثقافة مثلما لا نحب ان تعترف تتعرض للامتحانات نفسها التي يتعرض لها المجتمع، وهي ليست معصومة عن الأخطأ. بل انها تولد ومعها خطيئة اصلية هي خطيئة السلطة. الكتابة التي تتعامل مع الكلمات وتعيد صوغها وصوغ دلالاتها سلطة كاملة ومستقلة. ويا ويلها اذا خدعت نفسها واوحت لمن يعمل فيها ان سلطتها تسمح له باستغلالها وتوظيفها من اجل خدمة السلطة السياسية او جعلها سلما للارتقاء في مجاهيل مجد تقدمه السلطة.
هناك عدد كبير من المثقفين الذين آثروا السلامة، وخصوصا في زمن العولمة، فتبنوا لغة مزدوجة، واحدة لبلادهم وأخري للاعلام الغربي. وهناك الظاهرة الليفية ، نسبة الي برنار هنري ليفي، الفيلسوف والكاتب الفرنسي، الذي حوّل الثقافة الي اعلام تلفزيوني في خدمة اليمين الجديد. اللعبة الثقافية ـ الاعلامية في مرحلة العولمة والهيمنة الامبراطورية الامريكية، صارت جزءا من الحرب التي يشنها اليمين الجديد من اجل تحطيم صورة المثقف والخلاص النهائي منها. المثقف المستقل يجب ان يمحي او يغيب ويحلّ في مكانه العبان تقني يخدم المصالح الاقتصادية والسياسية للامبراطورية، ويقوم بتدمير قيم الحرية والعدالة باسم الدفاع عن الحرية. ولعل المعركة الاكبر التي تخاض هي معركة اسرائيل. فاسرائيل باتت تشكل ثغرة اخلاقية، وصار الدفاع عن نظام التمييز العنصري الذي تقيمه في فلسطين شبه مستحيل. لذا تتخذ المسألة شكل ارهاب فكري، كما حصل مؤخرا في جامعة كولومبيا في نيويورك، في الحملة التزويرية الفجة ضد الاستاذ الفلسطيني جوزف مسعد. ولا يكتمل الارهاب الفكري الا بالتهريج الثقافي. اي ان المهرج يلعب دور كومبارس للقمع. يصعد الي شجرة العرض، يتسعدن مقلدا اسياده، ومثيرا فيهم مزيجا من السخرية والرثاء. التهريج الثقافي ليس حكرا علي السيد علي سالم، كي نحوله الي ظاهرة، كما يحب ان يري نفسه، وكما يريد الاسرائيليون الصهاينة تسويقه. التهريج جزء هامشي وموجود في الثقافة. لكن فضيلة السيد سالم انه حوله الي نكتة. ولكنها نكتة لا تثير الضحك او الحزن او حتي الشفقة. انها مجرد عارض اخلاقي اصاب صاحبها وكفي.
القدس العربي (18/07/2006).