هل تُحضِّر إسرائيل لمفاجأة عسكرية في مناطق لبنانية شرقية وشمالية محاذية للخط الحدودي مع سورية؟ عسكريا، ينبغي لسورية ولـ "حزب الله"، ولغيره من القوى اللبنانية التي يمكن أن تقاتِل إسرائيل، وللمنظمات الفلسطينية التي لها وجود عسكري هناك، أن تُعِد العدة لمواجهة احتمال كهذا وإنْ بدا ضعيفا ومستبعَدا في الوقت الحاضر، فثمة مقدِّمات عسكرية ميدانية وسياسية فُسِّرت وفُهِمت حتى الآن على نحو لا يتَّفق مع ضرورة التحسُّب لهذا الاحتمال مع أنها تَحمل على الاعتقاد بوجاهته.

إنَّ لإسرائيل مصلحة جلية في أن تبسط سيطرتها العسكرية المباشرة، وفي طريقة ما، على مناطق ومواقع لبنانية بما يسمح لها بالفصل الحدودي بين لبنان وسورية. ولا شك في أن عملا عسكريا إسرائيليا من هذا القبيل يتَّفق مع مصالح وأهداف بعض القوى الدولية كمثل الولايات المتحدة وفرنسا؛ وربما لن يلقى مقاومة عسكرية يصعب التغلُّب عليها، فالثقل العسكري لـ "حزب الله" يتركَّز في جنوب لبنان وفي الضاحية الجنوبية لبيروت. أمَّا ذريعته فهي منع وصول أسلحة وصواريخ وذخائر إلى الحزب من سورية، أو عبر الأراضي السورية. وإذا ما استبعدنا احتمال أن يكون في نية إسرائيل مهاجمة سورية، أو استدراجها إلى حرب معها؛ مع أنني لا أؤيِّد استبعاد هذا الاحتمال، فلا بد لنا من أن نفهم اقتران الضربات العسكرية الإسرائيلية في مناطق لبنانية مجاورة للأراضي السورية بأحاديث إسرائيلية رسمية عن انتفاء النية لدى إسرائيل لمهاجمة سورية في سياق الإعداد السياسي لأعمال عسكرية إسرائيلية في تلك المناطق، تنتهي بما يشبه الفصل العسكري الإسرائيلي الحدودي بين لبنان وسورية.

وغني عن البيان أن إسرائيل لن تخرج من المناطق والمواقع اللبنانية التي احتلتها والمحاذية للخط الحدودي بين لبنان وسورية إلا إذا حلَّت محلها قوة دولية من النمط والخواص العسكرية والسياسية التي تريدها هي مع الولايات المتحدة وفرنسا. وهذا إنما يعني ويتطلَّب جعل الجيش اللبناني في وضع عسكري وسياسي يحول بينه وبين نشر قواته على الحدود مع سورية (وعلى الحدود مع إسرائيل أيضا). وأحسب أن الضربات العسكرية التي توجِّهها إسرائيل إلى الجيش اللبناني تستهدف، في آخر المطاف، إقامة جيش لبناني جديد يستطيع أداء دوره وتنفيذ مهماته بما يتَّفق مع قرار مجلس الأمن الرقم 1559، ومع مصالح وأهداف القوى اللبنانية المؤيِّدة لذاك القرار. وأحسب أيضا أن انتهاء الحرب بنصر إسرائيلي على "حزب الله" سيحوِّل كل هذا الدمار الذي ألحقته آلة الحرب الإسرائيلية بلبنان، وببنيته التحتية المدنية على وجه الخصوص، إلى قوة سياسية جديدة للخصوم اللبنانيين لـ "حزب الله".

أمَّا في جنوب لبنان فلا شك لدينا في أنَّ إسرائيل تتهيأ، وتُهيئ،العالم لجعل أعمالها العسكرية هناك أقرب إلى جرائم الحرب منها إلى الحرب، فمن غير ذلك لن يكون في مقدورها احتلال المناطق الجنوبية، وإبعاد "حزب الله" عنها إلى شمال نهر الليطاني، أو إلى مناطق أبعد. وعندئذٍ، سنرى أن القرار الدولي الرقم 1559 قد نُفِّذ في طريقة جعلته يتمخَّض حتما عن "اتِّفاق" لن يقل سوءا إن لم يزد عن اتفاق السابع عشر من أيار.

وحتى لا تلد الحرب كارثة سياسية ـ استراتيجية كبرى كهذه لا بد لـ "حزب الله" من أن يُظهِر من القوة العسكرية والسياسية ما يمكِّنه من ردع إسرائيل عن ارتكاب مزيد من جرائم الحرب في جنوب لبنان، وعن إلحاق مزيد من الدمار بالبنية التحتية اللبنانية. ولا بد، أيضا، لـ "التحالف الإستراتيجي" بين سورية وإيران من أن يزج بقواه في معركة "منع إسرائيل من الانتصار العسكري (والسياسي) في لبنان"، فهل يجرؤ هذا "التحالف" على الانتصار؟! - مفتاح 20/7/2006 -