عدد كبير من العرب يرون أن “إسرائيل” دولة ذكية وقادتها أفذاذ يخططون بدقة وينفذون بأمانة وإخلاص، وكثيرون يرددون أن كل ما تقوم به “إسرائيل” ينتهي إلى نجاح. وقد حاولت “إسرائيل” تعزيز هذه القناعة بوسائل إعلامية وسياسية متنوعة كجزء من الحرب النفسية التي تشنها على العرب من حيث إن نظرة الخصم نحوك تتدخل كثيراً في صياغة خططه ضدك. كلما ارتفع شأن العدو في نظر العرب ازداد ميلهم نحو الاستسلام.
من الصعب أن ينكر أحد القدرة المتميزة للمهاجرين الصهاينة ورغبتهم الشديدة في توظيف الجهود والطاقات نحو بناء دولة على أنقاض الشعب الفلسطيني. صحيح أن هناك دولا عظمى قدمت الدعم للحركة الصهيونية، لكنه من الصحيح أيضا أن هناك دولا وتنظيمات حصلت على كافة أنواع الدعم ولم تنجح في تحقيق أهدافها. ولا شك في أن “إسرائيل” حرصت على التطوير العلمي، وسارت حثيثا نحو الاعتماد على الذات، وصاغت معايير أخلاقية داخلية تتغلب على الصعوبات الثقافية لنسيجها السكاني غير المتناغم. وبالرغم من ذلك، تعاني “إسرائيل” من ضيق أفق في بحثها عن حل لقضاياها الأمنية وولوجها بسلاسة إلى المنطقة العربية عبر التطبيع والعلاقات الاعتيادية.
خاضت “إسرائيل” حروبا كثيرة، محدودة وشاملة، ضد العرب، وأحرزت انتصارات ما زال العرب يعانون آثارها. كانت “إسرائيل” معنية منذ البدء، منذ عام ،1948 بإقامة علاقات مع العرب تؤدي إلى قبولها في المنطقة وتسهل عليها الطريق نحو التمدد الاقتصادي والهيمنة. وقد نقل عن بن جوريون، أول رئيس وزراء “إسرائيلي”، استعداده في بداية الخمسينات لتقديم مليوني دولار لأي زعيم عربي يدخل حرباً مع “إسرائيل”، كمكافأة له على النتيجة المتوقعة وهي هزيمة العرب. أراد بن جوريون ذلك ظناً منه أن العرب لن يقتنعوا بقبول “إسرائيل” إلا إذا عاشوا الهزيمة وأدركوا أن الأفواه الكبيرة لا تصمد أمام التخطيط والعقلية العلمية.
حصل ما أراده بن جوريون، وتمت هزيمة العرب مراراً؛ فمنهم من اقتنع بأن لا فائدة من قتال “إسرائيل”، وأن الاستسلام هو الأفضل، ومنهم من فضل الصمود آملا في أن تتغير الموازين. وعلى الرغم من أن علم “إسرائيل” يرفرف في القاهرة وعمان ونواكشوط وفي قلوب العديد من المسؤولين العرب والفلسطينيين، إلا أن الدارس لأوضاع “إسرائيل” الأمنية لا يجدها في تحسن. “إسرائيل” الآن في وضع أمني أسوأ مما كانت عليه قبل خمسة عشر عاما، وقبل
خمسة عشر عاما أسوأ مما كانت عليه قبل ثلاثين عاما.
إذا تخيلنا منحنى أمنيا، نجد أن “إسرائيل” الآن تواجه أناسا يريدون حربها أشد وأقسى من الجيوش العربية. إنها تواجه تنظيمات عربية وإسلامية في فلسطين ولبنان وغيرهما تمجّد الموت ولا تحرص على المتاع، وهي تواجه تطوراً تقنياً عربياً يشكل خطراً على الرغم من بداءته حتى الآن. وفي الفترة الأخيرة، أقضّت العمليات العسكرية العربية مضاجع الناس في تجمعاتهم السكانية في قلب فلسطين المحتلة 48. كانت تحرص “إسرائيل” على بقاء المعركة على الجانب الآخر، وأن تبقى المدن العربية تحت الخوف والرعب، لكنها وجدت في النهاية أنها ليست في منأى عن القصف.
لا شك في أن عربا كثراً هم الآن أصدقاء ل “اسرائيل” ويقفون معها في السر أحيانا وأحيانا في العلن، لكن هؤلاء لا يشكلون الحدث
التاريخي الذي تعاني منه، والذي أصبح خارج سيطرتها.
مشكلة “إسرائيل”، كما الولايات المتحدة، أنها تفكر بعضلاتها ولا تفسح هامشاً معقولاً للعقل، وفي هذا لا تشذ هي عن منطق القوي الذي ساد تاريخياً. ولا مفر سيقع القوي في النهاية في شراك حسن تدبير خصومه الذين يتوالدون ويتكاثرون مع الزمن. كل تقدمها العلمي والتقني لا يمكنها من رؤية الحقيقة، ذلك لأن عمى القوة أقوى من بصيرة العلم. عادة ما تأخذها العزة بالإثم، وهكذا نفهم هجومها الأخير على غزة ولبنان.
ربما لا تدرك “إسرائيل” أنها لا تستطيع في النهاية إخضاع هذا العالم الواسع من العرب والمسلمين، ولا تستطيع أن ترى أن التحديات التي تواجه أصدقاءها من العرب والمسلمين تتزايد، ناهيك عن أنها لا تملك أبعاداً استراتيجية ذاتية تمكنها من الاستمرار في العيش في المنطقة. وإذا كان لنا أن نرى بعدًا استراتيجياً واحداً داعماً لها فهو ضعف العرب، أما دعم الولايات المتحدة فلا يمكن الاعتماد عليه بسبب ارتباط الرأسمالية دائما بالمصالح. (لو) كانت “إسرائيل” تعقل لنبذت الغطرسة واستعملت العقل، إذ ربما تجد من العرب المتمسكين بحقوقهم آذانا؛ و(لو) عقلت لما اتخذت من بعض الحكومات العربية القائمة حاليا عنصرا يمكن الاعتماد عليه لأنها إلى زوال. - الخليج الاماراتية 21/7/2006 -