بعد أربعة وعشرين عاماً على حرب لبنان الأولى العام 1982 يتكرر الـمشهد من جديد.. مئات الضحايا الأبرياء،آلاف الجرحى، مئات الآلاف من الأبرياء الباحثين عن ملجأ يحميهم من جنون الطائرات والـمدافع، وبنى تحتية مدمرة أعادت لبنان عشرات السنين إلى الوراء.. في الحرب الأولى كانت الذريعة محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن.. تهمة نفتها منظمة التحرير في حينها، لكن الذريعة توفرت لقادة إسرائيل لإلحاق هزيمة عسكرية بالـمنظمة ومحاولة القضاء عليها سياسياً.. كانت مصر قد أخرجت نفسها من دائرة الـمواجهة مع إسرائيل بمعاهدة سلام، وكانت الفرصة مواتية في ظل إدارة أميركية جمهورية وضعت لنفسها هدفاً كونياً محدداً وهو إضعاف الـمعسكر الشرقي وحلفائه في حينه بكل إمكاناتها.. سورية كانت قد نشرت بطاريات صواريخ سام خمسة الروسية في البقاع وكان من الضروري إسرائيلياً تدميرها، وأميركا كان من الضروري لها "إهانة السلاح الروسي"، أما الهدف الفعلي فكان تدمير الـمنظمة وتصفية قيادتها وإبرام معاهدة "سلام" مع لبنان الـمهزوم وإخراجه من دائرة الصراع والنفوذ السوري.
في حرب إسرائيل الثانية على لبنان، وهي الحرب التي بدأت بأسر حزب الله لجنديين إسرائيليين خارج منطقة مزارع شبعا، يبدو الهدف الإسرائيلي واضحاً.. القضاء على قدرات الحزب العسكرية وتصفية قيادته وإبعاده عن الجنوب اللبناني..العملية العسكرية هنا لحزب الله وفرت الذريعة والغطاء للرد الإسرائيلي .. ويبدو واضحاً أيضاً أن الحرب تهدف لإضعاف سورية بالقضاء على حليفها في لبنان الذي يحارب نيابة عنها، وإلى إضعاف قدرة إيران الردعية التي تقوم منذ سنين بتزويد حزب الله بالسلاح والـمال، وتقليص نفوذها الاستراتيجي في الـمنطقة بعد أن توسع في العراق بفعل الاحتلال الأميركي له، وأصبح يمتد من الخليج العربي إلى مشارف البحر الـمتوسط.. هنا التقت الـمصلحة الأميركية بالـمصلحة الإسرائيلية .. بمصلحة ما يسمى دول الاعتدال العربي.. إضعاف إيران استراتيجياً مهما كان الثمن.. وهذا ما يفسر الـموقف الأميركي الذي يرفض التدخل في وضع نهاية للحرب، ويوضح طبيعة الخلاف بين أوروبا والولايات الـمتحدة بشأن هذه الحرب.. كأنه امتداد لفروقات الـمواقف بشأن الـملف الإيراني النووي.. ويوضح الانتقاد العلني لحزب الله من دول الاعتدال العربي.
وهنا أيضاً ربما يكمن خطر امتداد الحرب وتوسعها.. هل ستسمح إيران بهزيمة حزب الله بما يمثله ذلك من إضعاف لقوة ردعها وتقليص لـمساحة نفوذها؟ هل ستراهن على دخول سورية للـمعركة التي لا تريد بأي حال أن تكون نتيجتها في غير صالح حزب الله؟ لكنها في الوقت نفسه وكما اعتادت أن تفعل دائماً منذ نهاية حرب أكتوبر العام 1973 ترغب في أن يحارب الآخرون حربها ونيابة عنها..إسرائيل حتى اللحظة أرسلت رسالات مطمئنة لسورية.. لا نريد توسيع الحرب ــ هذا ما صرح به أكثر من مسؤول إسرائيلي ــ رغم اتفاق الجميع في إسرائيل على مسؤولية سورية الـمباشرة عن عمليات إمداد حزب الله بالدعم اللوجستي.. الهدف واضح.. تحييد سورية.. لكن هل ستقبل الأخيرة بذلك؟
باستعادة الذاكرة لـما جرى العام 1982 فإن سورية ستقبل.. حتى عمق أربعين كيلومتراً من الاجتياح الإسرائيلي للبنان، رفضت سورية أن تحرك ساكناً وبعدها لـم يتحرك أكثر من ألفي جندي سوري حوصروا مع قوات منظمة التحرير في بيروت.. كانت رسالة شارون مخادعة.. لن نصل أبعد من هذا العمق.. وتراجعت سورية تدريجياً ثم ما لبثت أن وصلت القوات الإسرائيلية في تسعة أيام إلى بيروت وحاصرتها وأصبحت دمشق في مرمى الـمدفعية الإسرائيلية.. سورية تريد الجولان كاملاً، وتريد أن تحارب إسرائيل قطعاً.. لكن.. حتى آخر فلسطيني وحتى آخر لبناني.. لكنها لا تريد أن تخوض الحرب بنفسها، ومن أجلها.. وهنا تبدو نقطة ضعف حزب الله في هذه الحرب.. تماماً مثلـما كانت هذه النقطة سبباً في ضعف موقف منظمة التحرير الفلسطينية العسكري في تلك الحرب الشبيهة.. لكن ذلك لا يعني بالضرورة تكرار السيناريو السابق ونجاح إسرائيل في تنفيذ أهدافها.
حزب الله تشكل في لبنان خلال احتلال إسرائيل له ولـم يكن في حينه أقوى تنظيم عسكري فيه، كان مجرد مجموعات صغيرة داخل حركة أمل ما لبثت أن توحدت وأعلنت استقلالها عن حركتها الأم.. وتحولت خلال فترة قياسية إلى أكبر قوة عسكرية في لبنان، مستفيدة من التحالف السوري الإيراني بما وفره من إمكانيات عالية، تمكن الحزب من إخراج إسرائيل من الجنوب الـمحتل مستخدماً لغة إسرائيل نفسها ..خروج دون شروط ودون مفاوضات..تنفيذ القرار الدولي رقم 425 كاملاً وهو ما حصل عليه الحزب..لعل هذا أيضاً ما يفسر رغبة إسرائيل العارمة في تدمير حزب الله خصوصاً بعد أن رسمت حدودها الشمالية بالاتفاق مع الأمم الـمتحدة، وبعد القرار الدولي رقم 1559 بتجريد الحزب من سلاحه ومطالبة الدولة اللبنانية ببسط سلطتها على كامل أراضيها.. ولعل هذا ما يفسر رغبة الدول الـمعتدلة في مشاهدة هذا الحزب يتهاوى تحت وقع الضربات الإسرائيلية.
لكن السؤال الأهم في كل ما يجري.. ما الذي سيمنع من تكرار النهاية السابقة للـمغامرة الإسرائيلية في لبنان مرة أخرى.. بمعنى أنه ورغم إعلان إسرائيل عدم رغبتها في احتلال الجنوب اللبناني وبسط سيطرتها عليه ورغبتها في إجبار الحكومة اللبنانية على تنفيذ قرار الامم الـمتحدة.. فإن حاجتها لتدمير البنى العسكرية للحزب قد تدفعها لذلك وفي مثل هذه الحالة ما الذي سيمنع تكرار نفس السيناريو..حرب استنزاف طويلة جديدة..وبالتالي العودة للدائرة نفسها.. للـمستنقع نفسه.. وربما النتائج نفسها.
لعل الرسالة الأهم التي يجب على الجميع إدراكها وتحديداً قادة إسرائيل والولايات الـمتحدة هي أن خروج منظمة التحرير من لبنان واحتلال إسرائيل له أدى في حينه إلى بروز حزب الله وبعد عدة سنوات إلى بروز حماس على حساب القوى الـمعتدلة في فلسطين ولبنان.. فما الذي ستجلبه هذه الـمرة حرب إسرائيل الـمفتوحة؟ الحرب على غزة والضفة لـم تضعف "حماس" ووحدت تشكيلات الـمقاومة وأضعفت الرئيس عباس، ومواقع الـمعتدلين في الصراع حتى الآن.. والحرب على لبنان دفعت بقواه الـمعتدلة إلى الصمت.. والدمار الذي يلحق بأهله وجيشه سيكون سبباً في دعم أكبر لحزب الله.
للصراع في منطقتنا عوامل محلية لا يمكن دون حلها من جلب السلام والاستقرار له.. الهروب إلى الأبعاد الكونية للحرب ولأبعادها الإقليمية الإيرانية بهدف القفز عن العوامل الـمحلية التي تسمح بديمومة الحرب لن يؤدي إلى استقرار الـمنطقة.. تحييد الشعب الفلسطيني في هذا الصراع يتطلب إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضيه، وتحييد سورية ولبنان يتطلب إنهاء احتلال الجولان ودون ذلك سنبقى نحن وستبقى إسرائيل في دائرة الحرب نفسها وباستمرارها لا مساحة للحديث عن ديمقراطية في الشرق الأوسط، ولا مساحة لنجاح قوى الاعتدال والعقل، والتطرف هو سيد الـموقف وسيد الصراع. - الأيام 21/7/2006 -