في غمرة الحوار الوطني، الذي نتطلع إلى نتائجه بأمل، وترسيخاً لمبدأ الحوار والتفاعل بين شعوب العالم، من أجل الوصول إلى سلام عادل، تنعم من خلاله الشعوب المقهورة بعيش آمن، حيث لا احتلال ولا استعمار ولا تعصب عرقياً أو طائفياً؛ تنهض النساء في العالم؛ ليكنَّ جسوراً للسلام، وذوات فاعلة للعمل من أجل السلام. برز هذا المفهوم من خلال الفيلم الوثائقي: "ألف امرأة وحلم واحد"، من إخراج: جابرييلا نوهاوس، وأنجيلو شوديليتي، الذي عرض الأسبوع الماضي في أربع مدن فلسطينية، بحضور عضو البرلمان السويسري والمجلس الأوروبي، د. جابي فيرموت، ومخرجة الفيلم، جابرييلا نوهاوس.

يعرض الفيلم للفكرة النسوية المبدعة، التي حلمت بها، وتبنتها، وعملت على مأسستها: د. جابي فيرموت، وهي محاولة ترشيح ألف امرأة، لنيل جائزة نوبل للسلام للعام 2005، كمجموعة واحدة. تتابع الكاميرا مراحل نمو المشروع، الذي بدا أول الأمر مستحيلاً، ثم مراحل العمل التي قرَّبت الحلم من الواقع. وبالتوازي مع هذا النموّ، تروي ست نساء، من مناطق مختلفة من العالم، قصصاً تحكي علاقتهن بهموم شعوبهن وآمالها، وعملهن المتنوع لتحقيق السلام؛ الأمر الذي يثير نقاشاً فكرياً حول المفاهيم التي نحملها، وعما يبدو لنا بديهياً أحياناً؛ والذي يستحق التأمل والمراجعة.

ما الذي يجمع بين امرأة من بوروندي، وامرأة من السودان؟ وما الذي يجمع بين امرأة من الهند وأخرى من فلسطين؟ ثم هل تتساوى هموم النساء اللواتي تكافحن ضد ختان البنات، وضد انتهاك حقوق السجينات، مع نساء تكافحن ضد الاحتلال والتمييز العرقي والطائفي؟ هل تتقزم القضايا إذ تتجاور، أم تتسع لتستفز مسلماتنا، ولتفتح نقاشاً حول مدى ارتباط القضايا السياسية بالقضايا الاجتماعية، ولتعيد تعريف السياسة؟ حين تروي ماجي بارنيكيتسي من بوروندي، عما شهدته من مذابح مروعة، وعن المذابح التي تعرّضت لها بلادها، والتي حصدت أرواح 200 ألف إنسان، في القرن العشرين، إثر الاقتتال الأعمى العرقي، بين قبائل الهوتو والتوتسي؛ تتراءى لنا الحروب العمياء، التي يغذيها الاستعمار في الكثير من بقاع العالم.

وحين تروي نصيب الشيخ محمد، من الهند، عن المأساة الشخصية التي تعرضت لها، حين قتل عشرون فرداً من عائلتها، بالإضافة إلى زوجها وابنتها؛ لا تتحدث عن الرغبة في الانتقام أو الثأر الشخصيين. تتحدث نصيب عن اقتلاع جذور الكراهية والتعصب العرقي، بين المسلمين والهندوس، كطريق وحيد لمواجهة مأساتها. ولا تكتفي ماجي أو نصيب بالقصِّ؛ بل تنهض كل منهما للعمل بمقتضى مفهوم نسوي للسلام: تساهم مارغريت في إنقاذ حياة آلاف الأطفال من الموت، وفي وضع أطفال القبائل المتناحرة، في مدرسة واحدة، حيث يتقاسمون العلم والمعرفة وصنع المستقبل، كما تتجوّل نصيب بين القرى المتناحرة، لتزرع قيم الحوار والتسامح والعمل المشترك.

وحين تروي نفيسة الديك، من قرية كفر نعمة في فلسطين، عن مأساة شعبها الفلسطيني؛ لا تستخدم لغة الشعار السياسي؛ بل تتحدّث عن رغبة شعبها، في الخلاص من الاحتلال الجاثم على أنفاسه، ذلك الاحتلال الذي يواصل وضع المزيد من العقبات في وجه السلام، من خلال بناء جدار الضم، ومن خلال بناء المزيد من المستوطنات. " هذه المستوطنة تقف في طريق السلام، بمجرد أن تنسحب إسرائيل خلف حدود 1967 ونتمكن من التنقل بحرية من جديد، سيفتح باب للسلام".

كما تتحدث عن نضالها كامرأة ضد التخلف وتهميش النساء، ومن أجل المشاركة الفاعلة في المجتمع، والوصول إلى مراكز صنع القرار.

أما الطبيبة الإسرائيلية روحاما مارتون، فهي تتحدث عن مأساة الشعب الفلسطيني، الناجمة عن الاحتلال الإسرائيلي. وتتحدث عن عيادتها المتنقلة، - وهي جزء من منظمة "أطباء لحقوق الإنسان، التي أسستها العام 1988م"- بين القرى والمدن الفلسطينية، التي عزلها جدار الضم الإسرائيلي، وهي تقدم الاستشارة الطبية والأدوية، للبلدات التي تعاني نقصاً مزمناً في الأدوية، وللوقوف مع أهلها في مقاومتهم لكل أنواع العزل؛ الأمر الذي تسبب لها في الكثير من العداوات داخل إسرائيل."نحن الإسرائيليين نحظى بالتعليم والمال. ليس جمعينا بالتحديد، بل إسرائيل كدولة. لدينا السطوة لنفرض قواعد اللعبة، بينما الفلسطينيون على العكس تماماً".

أما سعيدة أبو هادية، من السودان، وإيلين باري، من أمريكا؛ فهما تحملان هموم مجتمعاتهما الاجتماعية، وتؤمنان بارتباط تلك الهموم بمفهوم السلام.

تناضل سعيدة ضد ختان الإناث؛ ذلك العرف الاجتماعي، الذي ينتهك حقوق البنات الصغيرات، في التمتع بحياة صحية ونفسية سليمة. تصدّت للأفكار البالية بحكمة واقتدار، ونجحت في إثارة نقاش، حول خطورة الختان، وآثاره التدميرية على البنات؛ الأمر الذي أقنع الكثيرين بصحة رأيها: "لم يعد الأهل يرغبون في تدمير حياة بناتهم؛ لهذا توقفنا".

وتناضل إيلين باري، ضد انتهاكات حقوق النساء، في السجون الأمريكية، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وتكافح من أجل حق السجينات في رعاية أطفالهن. وتطرح بديلاً منطقياً من خلال منظمتها "سوليد": تستطيع النساء المحكوم عليهن العيش مع أطفالهن، بوجود مشرفين، مما يمكنهن من كسر دائرة الجريمة والوصمة.

*****

ما الذي جمع بين النساء الست؟ وما الذي جمع بين النساء الست، والنساء الألف المرشحات لجائزة نوبل للسلام 2005؟ ثم ما الذي يجمع بين مشروع: "ألف امرأة لجائزة نوبل للسلام 2005" والشبكة النسوية: "ألف امرأة عبر العالم"؟ وأخيراً ما هو الرابط بين الشبكة النسوية العالمية، ومؤسسة سينما المرأة الفلسطينية: شاشات، التي ترجمت الفيلم إلى اللغة العربية؟ إنه الهدف النبيل الذي يسعى لإبراز عمل النساء، وجعله مرئياً، ومعترفاً به. والذي يسعى لمدّ جسور التواصل، وتبادل الخبرات والتجارب والمعرفة، بين نساء العالم. كما يهدف إلى نشر رؤية نسوية للسلام، حيث النضال من أجل تحقيق الأمان الإنساني، في كل بقاع العالم.

*****

وبعد، الأفكار المبدعة لا تموت بل تتوالد. تبدع المرأة وتقوى إذ تتواصل مع غيرها من النساء، وها هي الشبكة النسوية العالمية: "ألف امرأة عبر العالم"، تمد يدها إلى نساء العالم برسالة واضحة: لنقمِ السلام العادل معاً؛ كي يعم الأمان الإنساني، وكي نستطيع أن نبدع، ونطوّر، ونبني عالماً أفضل للأجيال المقبلة. هل نستجيب؟!

faihaab@p-ol.com