يريد الأردنيون حياة حزبية، بكل ما لـ "الحياة" و"الحزبية" من معانٍ، ولكنهم لم يحقِّقوا بعد هذا الذي يريدون، فلماذا؟ رئيس الوزراء الأردني الدكتور معروف البخيت أجاب، جزئيا على الأرجح، عن هذا السؤال، الذي، على ما نعتقد، لا يستبد بتفكير غالبية المواطنين، الذين لم يعرفوا بعد من "التنمية الاقتصادية" ما يمكِّنهم من تلبية حاجاتهم الأولية والأساسية، التي بعد، وبفضل، تلبيتها يصبح في مقدورهم الانصراف عن "الأمر الاقتصادي ـ المعيشي" إلى "الأمر السياسي"، الذي، في أهميته النسبية، لا يعدل الآن سوى قطرة في بحر الأمر الأول، فالبشر، والأردنيون منهم، ينبغي لهم أن يلبوا حاجاتهم المادية الأساسية قبل، ومن أجل، أن يذهبوا، بعقولهم وقلوبهم، إلى عوالم الفن والأدب والفلسفة.. والسياسة.

وغني عن البيان أن "التنمية الاقتصادية" المستوفية لشرطها الاجتماعي ـ الشعبي، أي التي تلمس غالبية المواطنين، لمس اليد، منافعها وفوائدها هي التي تؤسس لـ "حياة سياسية ـ حزبية" تشتد فيها حاجة المجتمع إلى نبذ الغلو والتطرف والتعصب والأساليب المنافية للديمقراطية في العمل السياسي.

في إجابته قال الدكتور البخيت إنَّ انتشار وترسُّخ "ثقافة الخوف من الانتماء الحزبي" هو الذي يحول بين المجتمع الأردني وبين قيام وتطور حياة حزبية حقيقية، والتوسع في "التنمية السياسية والديمقراطية"، فالمواطن يريد، ويرغب في، الانتماء الحزبي، ولكنه يخاف ويخشى "العواقب الأمنية" أو "الشبيهة بها".

وأحسب أن الإجابة تلك صحيحة إذا ما فُهِِمت على أنها إجابة جزئية وغير مكتملة، فالمواطن الأردني ليس لديه ما يكفي من الميل إلى الانتماء الحزبي لأسباب بعضها، وليس كلها، يكمن في "ثقافة الخوف" تلك؛ كما أنَّ التوسع في التعليل والتفسير يملي علينا معاملة "السبب"، الذي أتى على ذكره رئيس الوزراء وهو "ثقافة الخوف من الانتماء الحزبي"، على أنه "نتيجة"، فإجابته إنما تدعونا إلى السؤال الأهم وهو السؤال عن سبب انتشار وترسُّخ تلك الثقافة المنافية تماما لـ "الثقافة الديمقراطية"، بكل أوجهها وصورها.

المواطن الأردني لا ينضم إلى الأحزاب؛ لأنه "يخاف".. "يخاف مِن.." و"يخاف على..". الجواب، أي جواب الدكتور البخيت، كان كذلك، ولكن لِمَ يحتفظ المجتمع الأردني، على الرغم من كل ما توصَّل إليه حتى الآن من تطور ديمقراطي، بهذا القدر من "ثقافة الخوف من الانتماء الحزبي"، والذي كلما زاد قلَّت "الثقافة الديمقراطية"؟ أحسب أن هذا السؤال، الذي تلده إجابة رئيس الوزراء، هو الذي يستأهل الإجابة أكثر من سواه.

إنَّ "ثقافة الخوف" لا يمكن فهمها وتفسيرها إلا بصفة كونها انعكاسا لواقع موضوعي، ونتاجا لتجربة فردية وجماعية لم تصبح بعد جزءا من الماضي ضئيل التأثير في حاضر الأردن، فالمواطن نال كثيرا مما يُعدُّ حقا ديمقراطيا له، ولكن تجربته الشخصية، وتجارب غيره، لم تأتِ بما يكفي من النتائج التي من شأنها أن تجعله يحيا بمقدار متضائل من "ثقافة الخوف من الانتماء الحزبي". لقد فعل المواطن كل ما تمليه عليه فعله "ثقافة الخوف" تلك كفعل النأي بنفسه عن "الحياة السياسية ـ الحزبية"، ولكن ما الذي فعلته (أقول "فعلته" ولا أقول "قالته") الدولة، أو الحكومة، في سبيل القضاء على "البنية التحتية" لـ "ثقافة الخوف"؟!

وحتى لا ننسب كل هذا "الشر"، أي كل هذا الموات في الحياة الحزبية الأردنية، إلى "ثقافة الخوف" تلك، لا بد من الانتقال من "الأمني" إلى "السياسي" في التفسير والتعليل، فالمواطن، وبعد تحرره من الخوف من عواقب الانتماء الحزبي، ينبغي له أن يملك من التجربة السياسية ما يشعره، ويعزز لديه الشعور، بجدوى الأحزاب والحياة الحزبية، فما هي أهمية حياة حزبية تنجح في تلبية حاجته إلى "التفسير" إذا ما نجحت، ولكنها تفشل في تلبية حاجته إلى "التغيير"؟!

التشجيع الحكومي على الانتماء الحزبي لن يكون مثمرا إذا لم يقترن بتأسيس لـ "حياة دستورية ـ قانونية" تفصل السياسة عن كل "انتماء دون حزبي"، فالانتخابات البرلمانية يجب أن تكون حزبية في المقام الأول حتى تفضي إلى "برلمان حزبي" في المقام الأول. وهذا يقتضي تغييرا جذريا في خواص "الناخب" و"المرشَّح"، فكلاهما يجب أن يفقد تلك الخواص التي تمنعه من أن يكون في حجم القضايا والمصالح والحاجات العامة للشعب والمجتمع.

و"البرلمان الحزبي" يجب أن يملك من "سلطة التغيير" ما يجعل مبدأ "التداول الحزبي السلمي للسلطة"، على المستوى البرلماني ـ الحكومي، أقرب إلى اللون الأخضر منه إلى اللون الرمادي.

إنَّكَ لا تستطيع أن تُصحِّر التربة، ثم تتحدى الأحزاب على أن تنغرس وتضرب جذورها عميقا فيها، وتعطينا أشهى الثمار، فالدولة لا تُغيِّر ما في الأحزاب حتى تُغيِّر هي ما في نفسها! - مفتاح 5/6/2006 -