منذ شهر تقريباً والجدل دائر بين مقاربتين – خطابين حول موضوع الاستفتاء، وكلا المقاربتين تسوق مبررات وأفكار وتأكيدات تعزز من فرضيات كل مقاربة، ولكلا المقاربين منظريها والناطقين الرسميين باسمها، وما يدفعني لكتابة هنا هو ما يقال من كلا الطرفين عن الاستفتاء ووثيقة الأسرى والتأثيرات المباشرة وغير المباشرة على قضايا تخص الثوابت الفلسطينية وفي مقدمتها القدس واللاجئين والحدود وهنا لا بد من الإتيان على الخطوط العامة لكلا المقاربتين.
1- مقاربة مع الاستفتاء
تنطلق هذه المقاربة من كون الاستفتاء لا يمثل استفتاءً على الثوابت، فهو استفتاء لا يطالب الجمهور الفلسطيني مثلاً بالقول نعم أو لا لحق العودة للاجئين الفلسطينيين، بل هو استفتاء على برنامج سياسي ينطلق من ضرورة إيجاد توافق وطني انطلاقا من قراءة للواقع السياسي في فلسطين والإقليم المحيط والعالم واستنادا للشرعية الدولية بهذا الخصوص والتمسك بقرارات هذه الشرعية وخصوصاً القرار 242 و 338 و 194، وبالتالي فأصحاب هذه المقاربة لا يجدون في الاستفتاء مساساً بأي ثابت من ثوابتنا الفلسطينية، بل هو استفتاء سيحاول كسر الحصار والعزلة وتكذيب الرواية الإسرائيلية حول غياب الشريك الفلسطيني، ويسوق دعاة هذا التوجه أسساً قانونية تشرع إجراؤه وبالتالي القبول بنتائجه.
2- مقاربة ضد الاستفتاء.
ينطلق أصحاب هذه المقاربة من أن الاستفتاء هو استفتاء على الثوابت بما فيها القدس واللاجئين والحدود، وهو استفتاء يقدم اعترافا بإسرائيل، وعلى عكس التوجه الأول فإن الاستفتاء سيزيد من حالة الانقسام والاستقطاب والتجيش داخل المجتمع الفلسطيني، لأن الوثيقة جاءت لتؤكد على قرارات الشرعية الدولية والتي تعترف بشكل مباشر بإسرائيل كدولة، الأمر الذي يعتبر تنازلاً لا مبرر له، ويقول أصحاب هذا التوجه أن الاستفتاء لن يكسر الحصار بل على العكس ها هي إسرائيل وعلى لسان رئيس وزرائها ترفض الاستفتاء وتقلل من أهميته كأرضية لبداية التفاوض، ويؤكد أصحاب هذا التوجه على عدم قانونية الاستفتاء وبالتالي عدم القبول نتائجه ضمناً.
وثيقة الأسرى وحق العودة
لوضع النقاط على الحروف، ولتوضيح الالتباسات التي قد تحدث هنا وهناك، كان لزاما العودة الى نص وثيقة الأسرى للإتيان على ما جاء بالوثيقة بخصوص حق العودة واللاجئين، وهذا سيقودنا بكل بساطة للوقوف على حقيقة ما إذا كانت الوثيقة مع أو ضد حقوق اللاجئين في العودة والتعويض واستعادة الممتلكات:
1- فقد جاء في مقدمة الوثيقة ذكر لحق العودة، وان الوثيقة قد جاءت انطلاقا من الشعور بالمسؤولية أمام ما هو محدق بشعبنا من مخاطر وأمام المشروع الصهيوني الذي يسعى لفرض حل أحادي الجانب والذي سيشكل رفضا لإقامة دولة فلسطينية، وسيعزز ويوسع المستوطنات وتهويد القدس والاستيلاء على الأغوار وضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية"واغلاق الباب أمام حق شعبنا بالعودة."، وفي اعتقادي أن هذا الذكر لا ينتقص من حق العودة بل على العكس تماما جعلت وثيقة الأسرى من موضوع العودة في مركز اهتمامها.
2- وفي الفقرة الأولى من الوثيقة جاء ذكر لحق العودة واضحا لا لبس فيه كما يلي: "إن الشعب الفلسطيني في الوطن والمنافي يسعى من اجل تحرير أرضه وإنجاز حقه في الحرية والعودة والاستقلال وفي سبيل حقه في تقرير مصيره بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها مدينة القدس الشريف على جميع الأراضي المحتلة عام 1976 وضمان حق العودة للاجئين وتحرير جميع الأسرى والمعتقلين مسندين في ذلك إلى حق شعبنا التاريخي في ارض الآباء والأجداد والى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وما كفلته الشرعية الدولية"
وهذه الفقرة جاءت لتؤكد مباشرة بعد المقدمة على مركزية حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والصياغة جاءت لتعبر عن هذا الوعي لدى القادة الأسرى حول موضوع اللاجئين وحقوقهم كثابت من الثوابت التي يجب أن تظل حاضرة وبقوة في كل ثنايا الوثيقة وفقراتها.
3- تأتي الفقرة التاسعة من وثيقة الأسرى لتضع برنامج عمل خاص بحركة اللاجئين، وذلك من خلال دعوة الوثيقة لتكثيف الجهد "لدعم قضية اللاجئين ورعايتهم والدفاع عن حقوقهم"، بل تتجاوز الوثيقة الجانب النظري الكلاسيكي في موضوع اللاجئين لتطرح فكرة متقدمة لطالما تم الدعوة لها من قبل فعاليات ومؤسسات اللاجئين حول ضرورة "عقد مؤتمر شعبي للاجئين" ينبثق عن هيئات ولجان متابعة للتأكيد على حق العودة، وهذه العودة تأتي منسجمة مع ما قام به اللاجئون الفلسطينيون من مبادرات سابقة تصب في هذا الهدف كالمؤتمرات الشعبية التي عقدت منذ العام 1994 ولغاية الآن في الدهيشة ولندن وبيروت ونيويورك ودمشق، والمبادرات التوحيدية لجهود اللاجئين كالائتلاف الفلسطيني لحق العودة والكونفدرالية الاوروبية لحق العودة ولجان العودة في لبنان وسوريا والأردن وأمريكا الشمالية والجنوبية وغيرها من بقاع الشتات الفلسطيني.
4- وتأتي الفقرة الخامسة عشر من الوثيقة لتؤكد حضور فكرة العودة كخاتمة للوثيقة حيث تقول" إن المصلحة الوطنية تقتضي البحث عن أفضل الأساليب والوسائل المناسبة لاستمرار مشاركة شعبنا وقواه السياسية في قطاع غزة في وضعه الجديد في معركة الحرية والعودة والاستقلال وتحرير الضفة والقدس وبما يجعل من القطاع الصامد رافعة وقوة حقيقية لصمود ومقاومة لشعبنا في الضفة والقدس وان المصلحة الوطنية تقتضي بإعادة تقييم الوسائل والأساليب النضالية الأنجع في مقاومة الاحتلال"
ان قراءة متأنية وحقيقية لموضوع رؤية وثيقة الاسرى لقضية اللاجئين تجعلنا ندرك تماما بأن اللاجئين وقضيتهم وحقوقهم هي في صلب الوثيقة بل هي ثابت أساسي لا يمكن تجاوزه.
قوة حق العودة.
لا بد من التأكيد على أن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وحقهم في التعويض وإستعادة الممتلكات هو حق ذو إرتباطات إنسانية وتاريخية وقانونية ووجودية وأخلاقية وسياسية، فسواء حدث إستفتاء أم لم يحدث فحق العودة سيبقى حقاً ثابتاً لا يمكن لأحد التنازل عنه أو مقايضته أو التحايل عليه، فحق العودة حق من حقوق الإنسان كالحق في الحياة والجنسية والتعليم وغيرها من حقوق، وهو حق تاريخي لا يمكن تجاوزه فهو نتيجة مباشرة لنكبة الشعب الفلسطيني عام 48 هذه النكبة التي ستبقى حاضرة في العقل التاريخي لشعبنا وللمنطقة والعالم، وهو حق قانوني يستند للشرعية الدولية وقراراتها حول قضية اللاجئين وخصوصاً القرار 194. وهو حق يمس الوجود الفلسطيني برمته، لا يمكن القفز عنه لأن الوجود الفلسطيني في المخيمات داخل الوطن وفي الشتات انبنى على آثار النكبة وما رافقها من ظهور لمفهومين متلازمين للوجود الفلسطيني منذ العام 48 وهما اللاجئ والمخيم.
وحق العودة حق أخلاقي وسياسي ولن يكون هناك أي تسويات أو حلول للصراع على أرض فلسطين بدون حل حقيقي لقضية اللاجئين.
حق العودة والمناكفات السياسية
إن ما يحدث من استخدام لقضية اللاجئين مع أو ضد الاستفتاء يجب أن يتوقف، فكلاجئين ندرك تماماً أن الصراع الدائر اليوم في جزء كبير منه هو صراع على النفوذ وصراعات قوة وليس صراعاً حول التمسك أو عدم التمسك بحق العودة.
أكثر من ذلك أن لحق العودة قوته التي تحميه، فهو حق تلتف حوله حركة اللاجئين الواعية والمطالبة به، ونحن كحركة لاجئين ننظر للحق كحق فردي وجماعي، ولا يسقط بالتقادم أو باتفاقيات هنا أو هناك، بل هو حق ليس مرتبط بشكل الحل أن كان على أساس دولتين أو دولة ثنائية القومية أو دولة ديمقراطية علمانية أو أساس حل آخر، اللاجئين لديهم الحق في ممارسة حقهم بالعودة واستعادة الممتلكات، وفردية هذا الحق يجعل منه ملكاً لكل الأجيال الفلسطينية الماضية والحالية ومن سيولدون وبالتالي لا يحق لأي شخص التنازل عن حق الأجيال القادمة.
أخيراً.
سواء قال الفلسطينيون "نعم" لوثيقة الأسرى أو قالوا "لا" فحق العودة سيبقى حقاً متوهجاً في قلوب وعقول اللاجئين، وسيبقى حقاً ذو ارتباطات قانونية وأخلاقية وسياسية وإنسانية ووجودية.
إن الاستفتاء لن يكون على قضية اللاجئين وحقوقهم، فحق العودة لا استفتاء حوله.
* باحث في قضايا اللاجئين – فلسطين – مخيم بلاطه - مفتاح 15/6/2006 -