بعد ساعات قليلة من وقوع جريمة شاطئ غزة البشعة التي راحت أسرة فلسطينية كاملة ضحية لها باستثناء فتاة صغيرة أمهلها القدر لتكون شاهداً على بشاعة الجرائم التي ترتكب ضد الشعب الفلسطيني ليس فقط من جانب الكيان الصهيوني ولكن أيضاً من جانب عالم عربي ومجتمع دولي متورط بالصمت الذي بات يحمل من القبول أكثر مما يحمل من الرفض لهذه الجرائم، جاء رد الرئيس الفلسطيني أبومازن بقرار يمزق الوحدة الوطنية الفلسطينية بدلاً من أن يقويها، وبدلاً من توجيه كل السهام نحو العدو وجهها نحو حركة “حماس” في توجه أخذ يضع المواجهة الفلسطينية الفلسطينية في مقام “الجهاد الأكبر” وهو جهاد النفس، في حين يتحول الصراع ضد العدو الى صراع “فرعي” او “هامشي”.

ففي مؤتمره الصحافي بمقر السلطة في رام الله أصدر أبومازن قراره بإجراء استفتاء شعبي على ما يسمى ب “وثيقة الأسرى” يوم 26 يوليو/ تموز المقبل، وحصر الاستفتاء في الاجابة ب “نعم” او “لا” على سؤال واحد هو: “هل تقبل بوثيقة الأسرى؟”، وهو سؤال لا يصلح للحكم على مضمونها الذي يحوي ما هو إيجابي وما هو سلبي من منظور أغلب القوى الوطنية وليس فقط من منظور حركة “حماس” وحدها، بل ان أسرى حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” قد سحبوا تأييدهم لهذه الوثيقة بعد أن تحولت من مجرد أداة او وسيلة لخلق حوار وطني يصل الى توافق حول برنامج للعمل الوطني يصلح لتشكيل حكومة وحدة وطنية الى “غاية”.

تحويل الوثيقة من مجرد “وسيلة” الى “غاية” ليس محض صدفة لأن قيادة السلطة وقيادة حركة “فتح” تريد أن تحصل من “الاستفتاء” على ما خسرته من الانتخابات التشريعية، أي أنها تريد أن تجعل الاستفتاء ليس مجرد الاستفتاء على الوثيقة بل استفتاء على حكم حركة “حماس” وعلى بقاء حركة “حماس” في السلطة.

فمنذ ظهور نتائج الانتخابات التشريعية وهناك حالة “هوس” عامة ليس فقط لدى حركة “فتح” التي خسرت الحكم بل وبالأساس لدى الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية وأيضاً وللأسف لدى أطراف عربية كثيرة صدمها وصول حماس الى السلطة.

الحصار والتجويع والقتل والتشريد كلها كانت ترمي الى توصيل الشعب الفلسطيني الى “حافة اليأس” والعدول عن التمسك بالثوابت، والقبول بإطاحة حكم حركة “حماس” والعودة الى ما يسمونه ب “الخيارات الواقعية”، وهم يريدون جعل “وثيقة الأسرى” المعروضة للاستفتاء عنواناً لهذه الواقعية.

هذا يعني أن سؤال: هل تقبل ب “وثيقة الأسرى” ليس إلا غطاء لسؤال أهم هو: هل تقبل باستمرار حكم حركة “حماس”؟

إذا جاءت الإجابة ب “نعم” فإن هذه الاجابة ستكون مقدمة لمطالب جديدة هدفها تنحية حماس عن السلطة بحكم أن الشعب قال كلمته في استفتاء.

أما إذا جاءت الاجابة ب “لا” فإن الأمر سوف يختلف تماماً، وربما يكون سؤال وماذا بعد اليوم التالي لإعلان نتيجة الاستفتاء هو أهم الأسئلة الغائبة عن السلطة الفلسطينية في ظل احتمال الإجابة ب “لا” على سؤال الاستفتاء.

حتماً سوف يكون يوماً عصيباً،لأن المواجهة ليست بين “فتح” و”حماس” ولكن بين خياري الاستسلام والصمود. - الخليج الاماراتية 17/6/2006 -