المتابع والمراقب للخط البياني في مسار تطور القضية الفلسطينية وآلية تدحرجها من القضية الكبرى للأمة والقضية المركزية للصراع العربي الإسرائيلي إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى الصراع في مناطق السلطة... ليصاب بالذهول والإحباط... بالمختصر حال القضية وما آلت إليه هو أدق توصيف لحال الأمة المجهَد والغارق في سُباتِ عميق.

اجتهدت الحركة الوطنية الفلسطينية بعمومها وبكافه تلاوينها الفكرية والسياسية والأيديولوجية السابقة منها واللاحقة وأرست وجَسَّدَت حقيقةً لا مجال للقفز عنها أو تجاوزها مطلقاً. إن مقولة جولدا مائير الرائدة في الحركة الصهيونية "لا أعرف شعبا اسمه الشعب الفلسطيني" انتهت إلى غير رجعةٍ، هاهو الشعب العربي الفلسطيني المسلم مُتَجَذِّرٌ وراسِخٌ على الأرض يدافع عنها بلحمه وعظامه وبكل ما يملك، ويبذل الغالي والنفيس ويُؤَسِّس إلى الانعِتاق من هذا الاحتلال البغيض ليعيش بكرامةٍ وحريةٍ وسيادةٍ. ومن خلال الفكر النضالي التراكمي الحاضر دوماً في الفكر والممارسة والوجدان، تحرك المارد الفلسطيني من داخل رحم الأرض الفلسطينية وفجر الانتفاضة المباركة الأولى عام 1987 مبلوراً من خلالها مفهوم الثورة الشاملة، التي يحق لنا كفلسطينيين أن نؤرِّخَ لها، إن هذا الحدث كان بمثابة نقطة تحول كبرى في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني لأنه أَسَّس لحاله نهوض وانبعاث للأمام وأن العودة للخلف عادت جزءاً من الماضي، أدركت القوى العالمية والإقليمية هذا التحول الهائل وتم التعامل على أساسه فيما بعد.

كتب الكثير في هذا السياق، ليس المجال لذكره وسرده، ولعل العنصر الأبرز هو بداية بروز ظاهرة الانكفاء والتقوقع والانحسار في فكر وعقل قادة العدو. الشعب الفلسطيني أدرك عناصر قوته (الإرادة – التصميم – البذل – الوحدة) ووظفها وأدرك عامل الضعف عند العدو (الأمن – الموت) وركَّزَ عليها، هذه العبقرية مَكَّنَت له صموداً أسطورياً، وجعلته قادراً بإمكانياته المتواضعة، بل والمتواضعة جداً، على مشاغَلَةِ ترسانتِهِ العسكرية والأمنية الأكثر تحديثاً، والمجهزة لمواجهة المنطقة بأكملها.

وفي ظل اختلال موازين القوى مع انهيار المعسكر الاشتراكي والتَّفَرُّد الأمريكي، وأيضاً فرصة لاستثمار منجزات الانتفاضة لتوظيفها سياسياً لمصلحة القضية، قدمت حركه فتح باعتبارها العمود الفقري في منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) وعلى خلفية توافقات في البرنامج السياسي والوصول إلى مفهوم قيام السلطة الوطنية على أرض تحرر مشروع أوسلو والذي عارضته فصائل منضوية وأخرى غير منضوية في (م.ت.ف). وعلى الأرض تبين أن الطرف الفلسطيني يحاول أن يُوَسِّعَ من مساحة الاتفاق، والعدو يجتهد لتطبيق كل فاصلة في بنود الاتفاق لتوصيل الطرف الفلسطيني إلى أقصى ما يكون هو تقاسم وظيفي، وتأجيل ممنهج لكل القضايا الساخنة التي تفجر المشروع بعمومه إلى أجل غير مسمى مع إعطاء انطباع أن عمليه السلام قائمة وهذا ما عَمَّقَتهُ الماكينة الإعلامية الجهنمية. وسرعان ما انجلى بعد عودة الرئيس أبو عمار من كامب ديفيد خالي الوفاض وعلى إثرِ تدنيس شارون لساحات المسجد الأقصى المبارك، تفجرت انتفاضة الأقصى وعادت حالة الوصل مع الأولى وما أنجز على الأرض هو حق مكتسب لنضال وحلقات متواصلة من العطاء والبذل والاجتهاد وكشف زيف العدو في رؤيته ومفهومه للسلام.

وعلى الأرض تبلورت حالة فلسطينية؛ سلطة ومعارضة (مقاومة)، وبعد استشهاد الرئيس أبو عمار تم في أجواء حرة انتخاب الأخ محمود عباس رئيساً للسلطة الوطنية. واجتهد في تكريس الحياة الديمقراطية والتعامل مع القوى الدولية والإقليمية على قاعدة الرؤى المطروحة سواءً مفهوم الدولتين الذي طرحه الرئيس بوش، أو من خلال خارطة الطريق التي طرحتها الرباعية، والتي تبخَّرَت وعاد الحديث عن دعم خطط الفصل الأحادي تحت حجج واهية بأن لا شريك فلسطيني. أخيراً جرت انتخابات تشريعية شاركت فيها كل الفصائل والأحزاب عدا حركه الجهاد، وأفضت النتائج عن فوز لحماس مما حدا بالرئيس لتكليفهم بتشكيل الحكومة حسب النظام الأساسي. وهذا الإجراء يصب في تجذير مفهوم الممارسة الديمقراطية والتعددية ويحسب في رصيد أبو مازن. كثيرون كانوا قد راهنوا على أن التكليف لن يتم للتعارض الحاد في البرامج...

لعلنا من خلال استعراض المشهد بعد مُضِيّ أربعه شهور على تقلد حركه حماس الحكومة الفلسطينية ونسمح لأنفسنا أن نتخيل كيف تفكر القوى التي تحاصر الشعب اليوم وما هي السيناريوهات لديهم أولاً: دخول حماس العملية الانتخابية ونجاحها بعدد متواضع سيمكنها من الانخراط في معترك التفاصيل اليومية ويعطيها هامش من المعارضة داخل أروقة التشريعي وتدريجياً مسألة المقاومة سوف تقنن. ثانياً: على فرضية نجاحهم بأغلبية، قوة كبيرة مثل فتح لن تشاركهم لاختلاف البرامج، وأيضاً موقعها في الانتقال للمعارضة وآخرين سوف يترددوا كل حسب قراءته الداخلية للمرحلة، وهنا تُشَن حملة اصطفاف قوى في مواجهة الحكومة لِشَلِّها ومشاغلتها، ولا يسمح لها إلا بهامش ضيق والعمل على إدخال الواقع في تناقض، وكذلك ازدياد المناكفات لعدم وضوح فصل واضح في الصلاحيات والمسؤوليات والأهواء، وكذلك أيضاً تنشيط الطابور الخامس من العملاء ليلبسوا زي كل فصيل تارة بغرض تأجيج نار الفتنة. قد يخطر ببال القارئ أن عقلية المؤامرة مهيمنة وحاضرة وهذا حق للقارئ ولكني من خلال فهمي البسيط والمتواضع اعتقد أن خطورة وتعقيد وتشابك القضية تحتاج إلى ما هو أعلى من سقفية التفكير تحت تأثير نظرية المؤامرة.

لو حاولنا قراءة واقعنا من خلال أحد السيناريوهين المذكورين، لأدركنا أننا اليوم اقرب للثاني، ما الذي يجري على الأرض اليوم؟ ألم تتسع هوة الشقاق والخلاف، ألا توجد حالة استقطابٍ حادة، وفصام نكدة، ومزايدة كبيرة؟ التخوين والتشكيك والقدح عادَتا عنوانين رئيسة، الأجواء مكهربه، تعبئة فجة مخيفة، اصطفاف مذهل، قتل، وتهديد ووعيد. هل يوجد أفظع وأفجع وأكبر من هكذا وضع؟ أليس هو مأساوياً بكل ما تعني الكلمة؟ ألم يتجرا علينا اليوم السفيه والوضيع؟ هل الذين يقطعون الإمداد ويحاصرون الشعب بكل وقاحة لشل كل مرافق الحياة يستطيعون فعل ذلك؟!

في ظل هذه الأزمة الخانقة والمصيرية أطرح بعض النقاط علها تسهم في بلورة جهود تتفاعل وتتظافر للخروج من هذا الشَّرَك المُعقَّد:

§ العمل على تكريس نهج الانتخابات والديمقراطية والتعددية لأنه حتما سيفضي إلى إثراء ساحة العمل وتقديم الأكفاء والأمناء... وعلينا استثمار فرصة فوز المعارضة؛ والتي أحضرتها عملية نزيهة شهد لها العالم، الرئيس أبو مازن هو الأكفأ لأنه واضح وبرنامجه واضح.

§ حركه بحجم فتح بتراثها وخبرتها مدعوةٌ لمراجعةٍ شاملةٍ، والعمل على تطوير كوادرها لمواكبة حالة البناء الديمقراطي التي تتبلور، وتأصيل للتعددية إما معارضة قوية أو الحكومة وهذا قدر الكبار. وأن لا تبخل على الفريق الفائز بالنصح والرأي والإسناد لأن في ذلك نصرة للمشروع التحرري الوطني.

§ تعميق وتأصيل موضوع ثقافة الاختلاف من خلال ورش عمل مكثفة بغرض إشاعة روح الاجتهاد والتعدد باعتباره المدخل لتفجير الطاقات وشحذ الهمم على طريق مواصلة الطريق الطويل لانجاز الأهداف الوطنية.

§ وقف فوري وحازم من الجميع لموضوع التخوين والتشكيك وتسميم الأجواء وتعكير الأنفس من خلال استخدام المنابر الإعلامية وحتى دور العبادة، وهذا أمانة في أعناق القيادات وأصحاب الرأي وأهل العلم وعلماء الدين والنخب المثقفة والآباء والمربين. هذه قضايا خطيرة وانعكاساتها تحدث انقساماً على مستوى الأسرة الواحدة.

§ تعميق مبدأ الحوار الأمين والمسئول والعمل على تشخيص الواقع المحلي والإقليمي والدولي وموقع القضية وما يمكن قبوله وما يمكن التحفظ عليه وآليات العمل المناسبة لما يخدم مسار الحفاظ على قضيتنا وإبداع آليات تحقق تسويات تخفف وترفع الظلم وتحفظ الكرامة وتصون الحقوق وهذا لا يَتَأَتّى على القنوات الفضائية وأيضاً العمل على تشكيل جبهة عريضة والوقوف ضد من يحاول جر الشعب إلى الاقتتال وعدم التساهل معه وهذا يعد أولوية وطنية.

§ الحصار القاتل يفتح آفاق للمراجعة الأمينة لتقديم اجتهادات مكثفه من أهل الخبرة في الاقتصاد والسياسة والفكر كيف يمكن تجاوزه وعدم السماح بتكراره، الشعب الفلسطيني كارثة أن يتحول رهينة لابتزازه على ثوابته هذا يفترض أن يصبح هم وطني عام مجمع عليها...

§ المقتدرين من الشعب الفلسطيني مدعوين اليوم إلى ساحة البذل والسخاء من خلال برامج دعم حقيقية في مجالات عدة وهذا النهج سوف يحث ويشجع الميسورين إلى التقدم والعطاء ويشجع باب التوأمة والإيثار.

§ علينا التقرب إلى الله والحب في الله والبغض فيه، الحزبية أعمت قلوبنا واصمت آذاننا علينا تأصيل أنها وسائل وأدوات ويترجم ذلك بصدق قولاً وعملاً.

§ لا يسمح للقضية بأن تُدرَج في المحافل على أنها قضية شعب يتسول وأعمال تبرعات وهبات، وهذا يحتاج إلى تغيير في الخطاب السياسي وتنشيط البعثات في المُمَثِّلِيات والبعثات والهيئات والمفكرين والإعلاميين وأهل الرأي والنخب المثقفة، ليكونوا سفراء يحملون ويقدمون الشعب المعطاء بأفضل الصور التي تليق بموقعه ومكانته.

والسلام - مفتاح 19/6/2006 -