نذكر أن الكيان الصهيوني لم يدخر وسعاً في بذل كل الجهد لإضفاء هالة إعلامية كبيرة على مسألة إخلاء مستعمراته في قطاع غزة. وهذه الهالة الإعلامية أسهم فيها الإعلام العالمي، خصوصاً الأمريكي، وأسهم حتى الإعلام العربي فيها، مع ان كل ذلك يصب في مصلحة الكيان الصهيوني، ورسم صورة رائعة عنه تخالف صورته الحقيقية ككيان مرتكب للكثير من الجرائم التي لا تحصى على الأرض الفلسطينية.

ومن المؤسف أن بادرت دولة إسلامية أو قطر عربي إلى اعتبار ذلك الإخلاء دليلاً قاطعاً وبرهاناً ساطعاً، على أن الكيان الصهيوني كيان يجب أن يحتفي بالتعامل معه، وأن تفتح الآفاق للتعاون معه، وأن تكون هناك علاقات وطيدة مع هذا الكيان.

ما الذي يدفع دولة إسلامية أو قطراً عربياً إلى تبني هذا النهج، واللهث وراء التعاون مع الكيان الصهيوني، أو فتح آفاق التعامل معه؟ هل الدافع هو استجداء الرضا الأمريكي أو الحصول على حظوة لدى الولايات المتحدة؟ ربما كان هذا دافعاً، ولكن ما الذي ترجوه هذه الدولة، أو ذلك القطر، من الولايات المتحدة؟ هل هو الدعم المالي؟ قد تحتاج دولة إلى الدعم المالي، ولكن هل الحاجة إلى الدعم المالي تبرر تغيير المواقف تغييراً جذرياً، والإخلال بالمبادئ الإسلامية والعربية المتعارف عليها؟ وهل يمكن أن تقدم الولايات المتحدة دعماً لدولة إسلامية أو عربية لمجرد إثبات نواياها الحسنة تجاه الكيان الصهيوني، وحرصها على التعاون معه، وإقامة علاقات وطيدة معه؟ أم ان هناك أكثر من مبرر، وقد يكون من بين هذه المبررات، محاولة استرضاء الولايات المتحدة بحكم أنها القوة الأعظم في الحقبة الراهنة، وقائدة العولمة للحصول على دعمها في مواجهة أي تهديد لتلك الدولة الإسلامية، أو ذلك القطر العربي. وقد يكون من التبريرات وتحت المظلة نفسها، الحصول على موقع معنوي على خريطة العالم السياسية التي تتحكم فيها الولايات المتحدة.

إن إخلاء المستعمرات الصهيونية في قطاع غزة، وكأنه أصبح كسباً للكيان الصهيوني حاول إعلامياً استثماره ليبدو في صورة الكيان المسالم المتنازل طوعاً عن الأرض مع أن أي دولة إسلامية أو أي قطر عربي، يدرك دونما حاجة إلى التفكير أو التقييم، أن الإخلاء جاء تحت ضربات المقاومة، حتى وإن ادعى البعض من الليبراليين المتأمركين أن الأمر ليس كذلك، وإنما هو قرار صهيوني، فإنه من المعروف أن قطاع غزة كان يمثل عبئاً على الكيان الصهيوني، وأن فكرة التخلص من هذا العبء كانت واردة في أجندته منذ مدة. فلماذا هذا الاحتفاء بما أقدم عليه الكيان الصهيوني، وتجبير الإخلاء إعلامياً وسياسياً لمصلحته، بحيث بدا الأمر وكأن الكيان الصهيوني، قدم كل ما يمكن ان يقدمه، أو ما هو مفروض أن يقدمه؟ بل بدا الاحتفاء وكأنه احتفاء ليس بعودة قطاع غزة إلى السيادة الفلسطينية فحسب، وإنما عودة الضفة الغربية والقدس وغيرهما بحيث لم يبق هناك ما هو مفروض على الكيان الصهيوني أن يقدمه.

قد يقول قائل: ان إقدام أي دولة إسلامية، أو قطر عربي على الاحتفاء بما أقدم عليه الكيان الصهيوني، بإخلاء مستعمراته في قطاع غزة، هو تقدير لهذه الخطوة ستحفز الكيان الصهيوني على إلحاقها بخطوات أخرى. وبديهي أن ذلك يجانب الصواب. فالكيان الصهيوني له استراتيجيته التي لا يحيد عنها قيد أنملة، وهي استراتيجية مسنودة أمريكياً، وهي ان يظل مستحوذاً كل الاستحواذ على أكبر مساحة يمكنه الهيمنة عليها في فلسطين المحتلة. وما الجدار الفاصل إلا أحد الشواهد على ذلك. فهل أي دولة إسلامية أو أي قطر عربي، يتجاهل أو يتغافل عن معالم الاستراتيجية الصهيونية وهي واضحة من خلال الممارسات، وحتى من خلال التصريحات، وحتى من خلال الشواهد على الأرض ومن أبرزها الجدار الفاصل واقتطاع كل ما يمكن اقتطاعه من الأرض الفلسطينية.

إن هذا الاحتفاء بإخلاء الكيان الصهيوني مستعمراته في قطاع غزة، يبدو وكأنه احتفاء بالكيان الصهيوني واستراتيجيته وشواهد ومعالم وأهداف هذه الاستراتيجية بحكم أنها مباركة أمريكياً، وأنه لا ضير من تجاوز ما يمس الثوابت الإسلامية والعربية في سبيل المصلحة الراهنة. وما جدوى المصلحة الآنية الضيقة الأفق في حساب التاريخ والمبادئ والثوابت؟

إن الاحتفاء بما أقدم عليه الكيان الصهيوني من أي دولة إسلامية، أو أي قطر عربي هو احتفاء في غير مكانه، ولمن لا يستحقه، وهو يمارس عدواناً مستمراً على الشعب الفلسطيني، ويهدد ويتوعد بالقمع والتنكيل معتمداً على آلة عسكرية مترسنة أمريكياً، ويضع شروطاً لا يمكن قبولها على حركة “حماس”، لعله كان من الأحرى بأي دولة إسلامية أو أي قطر عربي يسعى إلى استرضاء الولايات المتحدة من خلال البوابة الصهيونية أن يفعل ذلك من دون أن يعلق فعله على مشجب القضية الفلسطينية التي يكفي أنها عصفت بها الهزائم العربية، وعبثت بها ردهات التفاوض، وعاثت فيها المزايدات العربية، وجاء الليبراليون المتأمركون لينظروا إلى الكيان الصهيوني، بعيون أمريكية، وكأن القضية الفلسطينية في واد.. وهم في واد آخر. - الخليج الاماراتية 2/3/2006 -