يفتح فوز حماس في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية باب النقاش واسعا من جديد أمام قضية جدلية تعددت فيها الاجتهادات وتباينت، ألا وهي قضية العلاقة بين الدين والسياسة عموما وعلاقة الاسلام بالديمقراطية تحديدا.
إن الانتخابات كما هو معلوم في مفهوم الديمقراطية، ليست هي كل الديمقراطية، فهي مجرد وسيلة أو آلية إجرائية يقوم من خلالها المواطن باختيار من يمثله في السلطة التشريعية، ولذلك يقال عادة: إن النائب هو ممثل الشعب يريد ما يريده الناس. هي مجرد لحظة سلوكية تنتهي بانتهاء منح الصوت لمرشح أو لقائمة معينة. وهي بلا شك دليل مادي على عملية الاختيار الحر، التي قد تؤدي الى قيام حكومة ديمقراطية تستند إلى الإرادة الشعبية. أما الديمقراطية فتتجاوز الانتخابات وإن كانت تضمنها، فرغم أهمية الانتخابات، فإن الديمقراطية تتضمن نظاما واسعا وشاملا لمنظومة من القيم والرؤى الاقتصادية والاجتماعية، كقيم التسامح والاعتراف بالآخر، وإقرار الحقوق والحريات العامة كحرية التجمع والرأي واحترام الاديان، والمحاسبة والمساءلة وإقرار التعددية السياسية وتناوب السلطة عبر دورية الانتخابات، والقبول بطريقة اسناد السلطة بطريقة سلمية من خلال الانتخابات التنافسية. وتتضمن الديمقراطية الاحتكام للدستور والقانون، وتوزيع وممارسة الصلاحيات والسلطات، وذلك في ظل توافر وإرساء قاعدة المسؤولية والمحاسبة السياسية البرلمانية، وبالانتخابات التي تعقد كل فترة زمنية محددة.
ولعل من أهم المبادئ التي تتضمنها الديمقراطية الإقرار بالديمقراطية كوسيلة للحفاظ على السلطة أو تركها لحزب أو لتنظيم سياسي آخر، وهكذا تتم عملية تداول السلطة ودورية الحياة السياسية وفقا لمنظومة من القيم والمعايير والتوجهات الثقافية التي تحكم آلية عمل السلطة وكل ذلك في إطار من الشرعية السياسية الواحدة المتفق عليها، ويعتبر الخروج عنها خروجا عن التوافق الوطني العام، الذي يفضي الى حالة من الانهيار السياسي العام، وحالة من الفوضى العامة التي قد تفضي الى إعلان حالة الطوارئ بما تعنيه من انتكاسة للعملية الديمقراطية في كليتها.
هذه المعاني والقيم هي ما تنقصنا حتى نستكمل عملية البناء الديمقراطية. وصحيح أن الفلسطينيين قدموا نموذجا رائعا في انتخاباتهم التي تمت على درجة عالية من النزاهة والمصداقية، لكن يبقى أمامهم، وبالتحديد تنظيم حماس، استكمال هذه المنظومة من القيم والمعايير الديمقراطية والتي تضع الأساس الثابت والراسخ لسلطة سياسية مستندة إلى شرعية سياسية لا يمكن تجاوزها. وحتى تتم هذه العملية بنجاح تحتاج الى رزمة من الإصلاحات الشاملة في البنية السياسية، والتعليم والإعلام، وإعادة بناء مؤسسات المجتمع المدني وتفعيل دورها، هذا الى جانب الإصلاحات في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، والوصول الى نموذج توافقي بين الدين والسياسة في ما يتعلق بالحكم.
أعود ثانية الى القول: إن حماس ستواجه بهذه التحديات، وعليها أن تجد حلا للمعادلة السياسية بين الانتخابات والديمقراطية، فهل وصولها للسلطة عبر الانتخابات هو بداية لاستكمال المنظومة الديمقراطية والقبول بنتائجها واستحقاقاتها، السابقة واللاحقة؟ فحماس لم تأت الى السلطة من فراغ سياسي، فهناك واقع مؤسساتي قائم والتزامات قائمة، وهناك مجموعة من القوانين المقرة، والأساس الدستوري المنظم لعلاقات السلطة ولمجموعة الحقوق والحريات العامة. والأهم من ذلك باتت حماس تملك السلطة من ناحية بالتزاماتها، والتزام مواصلة المقاومة المسلحة، كيف يمكن التوفيق بين كل هذه المعادلات السياسية؟ هل ستتحول الى حزب سياسي ومعها بقية التنظيمات الأخرى؟ ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة: ماذا لو خسرت حماس الانتخابات المقبلة؟ سؤال استشرافي لكن لا بد من طرحه الآن، وماذا لو حدثت أزمة دستورية أدت إلى انتخابات مبكرة؟ هل ستقبل حماس أن تلجأ الى الانتخابات كوسيلة لحسم الخلافات؟ وخيرا هل ستنتصر حماس أم الديمقراطية؟ أسئلة تحتاج الى إجابات في صورة تشريعات وقوانين وسياسات، وإلا سنجد انفسنا أمام خيارات صعبة جدا لعل أسوأها انهيار كامل للديمقراطية.
دار الخليج (03/07/2006).