تملكني الضحك حينما حققت حركة حماس ذلك الفوز المذهل في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة بعد كل التصريحات ودروس الوعظ التي كررها الرئيس الأمريكي جورج بوش وعصابة المحافظين الجدد المحيطة به عن أن الديمقراطية في الشرق الأوسط ستقود إلى السلام.

ها هو الرئيس بوش يتعين عليه مرة أخرى أن يظهر كمنافق ومتناقض. فالديمقراطية من وجهة نظره جيدة فقط حينما تسفر عن انتخاب وفوز من يريدهم فحسب، وهكذا فإن اختيار الأغلبية الفلسطينية من خلال انتخابات أجمع المراقبون على أنها كانت حرة ونزيهة ليس مقبولاً في رأي بوش.

كلكم يجب أن يعرف جيداً أن حماس كانت موجودة على الساحة منذ وقت طويل، وان الولايات المتحدة لم تكن تصفها بأنها منظمة إرهابية معظم هذا الوقت، ولحركة حماس جناح عسكري لكن جهودها تنصبّ بشكل رئيسي على تحسين المستوى المعيشي للشريحة الأكبر من الفقراء والمحتاجين الفلسطينيين من خلال تقديم مساعدات مادية وخدمات صحية وتعليمية إذ لا يمكن لهؤلاء الفقراء الحصول على تلك المساعدات والخدمات الأساسية لولا حركة حماس التي اكتسبت سمعة طيبة من النزاهة والنظافة والاستقامة على النقيض من حركة فتح التي استشرى فيها الفساد والتي كان بوش يرغب في فوزها في الانتخابات.

وإذا كان هناك ثمة ما يثير مخاوف السياسيين والمسؤولين الأمريكيين فهو وجود شخص نزيه ومستقيم، وإذا كانوا أكثر من رجل فالمخاوف أشد والأمر أسوأ، إذ كيف يمكن لإدارة بوش ان ترشو السلطة الفلسطينية وتشتريها وتقنعها بالحفاظ على الهدوء في الوقت الذي تعمل فيه “إسرائيل” بشكل أحادي منفرد على بلورة الموقف الخاص بها في حال رفض مجموعة الفلسطينيين الذين تم انتخابهم كل المحاولات لرشوتهم وحملهم على بيع مواطنيهم والتخلي عن حقوقهم؟ لذا فلا عجب أو دهشة أن يكون بوش وأعضاء إدارته قلقين.

ولو أنني كنت زعيماً لحماس لبعثت الى الرئيس بوش برسالة أقول فيها: “لا تقلق ولا تنزعج بشأن عدم التحدث الينا، فنحن ليست لدينا الرغبة في الحديث معك. وعلى مدى 39 عاماً تحدثتم أنتم الأمريكيون طويلاً عن عمليات سلام لم يتحقق على سنتيمتر مربع واحد على الأرض الفلسطينية، بل على العكس من ذلك فقد توسعت “اسرائيل” على حساب هذه الأرض بينما منعتم الأمم المتحدة من اتخاذ اي اجراء والقيام بأي عمل لوقف ذلك.

النزاع في فلسطين بسيط وواضح للغاية، ففي عام 1967 قامت “إسرائيل” باحتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية، وليس لدينا القوة العسكرية لطرد “الإسرائيليين” وإخراجهم وبالتالي فإن تأثيرنا عليهم معدوم تماماً. إنكم أنتم من قدم ل “اسرائيل” 90 مليار دولار ولديكم القدرة على هذا التأثير، وهكذا بدل الحديث معنا تحدثوا مع “الاسرائيليين”. وبالسرعة التي ينتهي فيها الاحتلال “الاسرائيلي” فإن المشكلة في فلسطين تنتهي وتصبح غير موجودة. وفي غضون ذلك فإن لدينا الكثير من المشكلات المحلية والداخلية لحلها والتي كانت برنامج عملنا الذي تمسكنا به وعملنا بموجبه في كل الأحوال”.

وكما سبق لي القول فإن الطريقة التي نفذت بها حركة حماس عملياتها وهجماتها غير مقبولة ونحن “الاسرائيليين” نلقي بقنابلنا من طائراتنا الحربية ومروحياتنا وقذائفنا عبر المدافع بأعداد كبيرة. ولأن الفلسطينيين محرومون من الأسلحة الحديثة يجب عليهم حمل قنابلهم ومتفجراتهم بأنفسهم ونقلها لتصل الى أهدافها. ومن الناحية الأخلاقية ليس هناك أي فارق من أي نوع بين قنابل وقذائف يتم القاؤها من الجو وأخرى يتم حملها ونقلها مشياً على الأقدام. وثمة حقيقة ساطعة لا يمكن إنكارها وهي أننا نحن الأمريكيين قتلنا الآلاف المؤلفة من المدنيين في العراق وبنما وليبيا وصربيا وغرينادا وفيتنام وهو ما يزيد آلاف المرات على عدد الذين قتلتهم حماس من “الإسرائيليين”، ومن الطبيعي أن نرفض الاعتراف بقتل المدنيين ونعتبرهم “خسائر محاذية وموازية من الطرف الآخر” تقابل خسائرنا.

وبالمناسبة فإن عدد القتلى الفلسطينيين في الانتفاضة الأخيرة بلغ 3786 مقابل 1084 “إسرائيلياً” لم تقتلهم جميعاً حركة حماس فهناك جناح عسكري لحركة فتح وفصائل أخرى للمقاومة الفلسطينية.

وعودة الى الخطأ الاستراتيجي للرئيس بوش إذ كان يجب عليه الاطلاع على ما أكتبه فقد قلت مراراً وتكراراً أن المجموعة الشعبية والسياسية الأكبر في الشرق الأوسط التي تدفع باتجاه الديمقراطية هي الأحزاب والقوى الإسلامية وان “الاصدقاء” الوحيدين لنا في المنطقة هم الزعماء والحكام الذين يكلفوننا مادياً ومعنوياً ليبقوا أصدقاءنا، وهؤلاء كانوا أول من دعا حركة حماس الى التخفيف من تشددها وتبني مواقف أكثر اعتدالاً. وأنا أشك في أن حماس ستفعل ذلك لأنه سيكون ضد قيمها ومعتقداتها الإيمانية المستقيمة. فمسؤولو هذه الحركة يعتقدون بأن ولاءهم وإخلاصهم ليس للبيع، كما أن الفلسطينيين وكشأن سائر شعوب الأرض لهم الحق الذي لا ينازعهم فيه أحد والذي لا يمكن إنكاره في مقاومة الاحتلال على أرض وطنهم. وأنه من الخزي والعار والفضيحة لنا نحن الأمريكيين أن نقف الى جانب المحتلين والمعتدين.

وفي مطلق الأحوال والظروف فإن من الأفضل لبوش والمحافظين الجدد ومن مصلحتهم توخي الحذر والحرص في كل ما يتمنونه ويرجونه. - الخليج الاماراتية 9/3/2006 -