يلاحظ منذ فوز حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، بروز خطين في الخطاب السياسي المتعلق بتطورات الصراع العربي “الإسرائيلي”:

خط هجومي، تتبناه “إسرائيل” وأمريكا والاتحاد الأوروبي، وبعض المجتمع الدولي، وبعض العرب والفلسطينيين للأسف، بالضغط على حماس بضرورة أن تفتتح عهدها في السلطة الفلسطينية، بنبذ العنف (بعضهم يسميه إرهابا) والاعتراف ب”إسرائيل”. وأغرب ما في هذه الدعوة الضاغطة والملحّة، أنها لا تطالب “إسرائيل” بأي شيء بالمقابل، حتى لو من باب التمني أو الرجاء. خط دفاعي، يلتزمه المتحدثون باسم حركة حماس، خلاصته عبارة موجزة بليغة: “من يعترف بمن؟ الضحية أم الجلاد؟”. أغرب ما سمعته في المقارنة بين هذين الخطابين (الهجومي والدفاعي) التفسير الذي يؤكد أن خطاب حماس ليس سوى نوع من “الاستدراك البلاغي”، الذي تقصد به حماس التقاط أنفاسها من مفاجأة الفوز بالأغلبية التشريعية، والانتقال من المعارضة إلى السلطة، وذلك ريثما تتدبر أمرها وتكتشف المخارج السياسية العملية لهذا الضغط الذي لا بد لحماس في النهاية من الرضوخ له، على حد قول أصحاب هذا التفسير. وبعيداً عن مناقشة صحة ودقة هذا الافتراض أو عدم صحته ودقته، من خلال استقراء تفاصيل الاتصالات المعلنة وغير المعلنة التي بدأت تقوم بها حماس في العواصم العربية والدولية، فإن من المفيد جداً، بل المهم جداً، خاصة بالنسبة للفلسطينيين (على اختلاف فصائلهم من حماس إلى فتح إلى بقية المنظمات) والعرب، بكل شعوبهم ودولهم، على اختلاف تلاوين مواقفها، من المفيد جداً لكل هؤلاء التبصر عميقاً في عبارة “من يعترف بمن؟”.

ولمن ينسى أو يتناسى أو يحب أن ينسى أصول القضية وجذور الصراع (وما أكثرهم في هذه الأيام)، فقد بدأت القضية بقرار التقسيم الذي اعترف لكل من العرب واليهود بدولة على قسم من أراضي فلسطين. إذن بدأت القضية باعتراف دولي متوازن (إلى حد ما) بحقوق طرفي الصراع، لكن منذ هذا الاعتراف النظري بحقوق الطرفين، فقد اتخذ الصراع مجرى عملياً، كان فيه الاعتراف الدولي الفعلي، ينصب فقط على حقوق “إسرائيل” في الوجود والاستمرار، دون أي ذكر، حتى لفظي، لحقوق الفلسطينيين العرب بدولة خاصة بهم، كما ينص قرار التقسيم. ومن غير حاجة إلى استعراض تفصيلي لكل التطورات والتحولات التي طرأت على المواقف الفلسطينية والعربية، في موضوع الاعتراف ب”إسرائيل”، أو التصريح العلني بالاستعداد لهذا الاعتراف، فإن الأمر لم يتوقف فقط عند الاستمرار في التنصل العملي (دعك من المواقف اللفظية) من فرض مواقف عملية على “إسرائيل”، تنتزع منها العناصر المادية التي تشكل أساس الدولة الفلسطينية، فإن الذي كان يحدث، وما زال يحدث يومياً حتى إشعار آخر، ان “إسرائيل” (بالذات منذ العام 1967) كانت تمارس، ضد كل القوانين والمواثيق الدولية وقرارات الأمم المتحدة، كل ما من شأنه القضاء النهائي على كل العناصر المادية لاحتمال قيام دولة عربية فلسطينية، تحت بصر وسمع، بل وتشجيع وحماية ودعم، كثير من القوى الكبرى في المجتمع الدولي، على رأسها دائماً الولايات المتحدة الأمريكية.

وحتى عندما صاغ العرب موقفاً تنازلياً تاريخياً في مبادرة قمة بيروت العربية، بالاستعداد لاعتراف كامل ب”إسرائيل”، والتطبيع الكامل معها، بعد تطبيق قرارات الأمم المتحدة، فإن “إسرائيل” (وأمريكا من ورائها) ضربت وما زالت تضرب عرض الحائط بهذا التنازل العربي التاريخي.

فإذا كان استعداد العرب بقضهم وقضيضهم، للاعتراف ب”إسرائيل”، لم يدفع “إسرائيل” لإعادة النظر في سياسة قضم ما تبقى من فلسطين، وإذلال شعبها وسحقه واغتيال كوادره السياسية علنا، والاعتراف ولو بجزء من الحقوق السياسية التاريخية لهذا الشعب، فأي تطور سياسي حقيقي يرجى من قيام حركة حماس، في موقعها الجديد، بالاعتراف المجاني ب”إسرائيل”؟

احتمالات الردود العربية على هذا السؤال، هي التي يجب أن يضعها الفلسطينيون (خاصة حركة فتح) والعرب (خاصة المهرولين منهم للتطبيع دون أي مقابل) نصب أعينهم، قبل أي تحرك سياسي، بل قبل أي تصريح سياسي، في المرحلة الجديدة من الصراع.