قبل زمن ليس بالقصير أصدر د. صادق العظم كراساً حاول فيه تفنيد خرافة النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة، وكان آخرون منهم أمريكيون قد سبقوه ليتساءلوا عن دور اللوبي الصهيوني في نيويورك من موقف الولايات المتحدة وما صرح به الوزير دالاس إزاء العدوان الثلاثي على مصر.
واليوم يعود السؤال نفسه لكن بصيغة مغايرة تناسب ما انتهى إليه التطابق المثير بين الأجندتين الأمريكية والصهيونية، خصوصاً في العراق.
وقبل الإدلاء بأي دلو في هذه المسألة دعونا نتأمل الأسباب التي تغري بعض العرب بالمبالغة في تصوير النفوذ اليهودي داخل أمريكا وأوروبا، بل في العالم كله.
هذا التصور ينطوي على رغائب وإسقاطات الهدف منها تصوير الدولة العبرية وكأنها الاخطبوط الذي تمتد أذرعه عبر القارات الخمس، وما من سبيل للوقوف أمامه أو التصدي لجبروته، إذن هي أمر يشبه التعجيز، وتسفيه أي سلاح أو أسلوب يمكن من خلالهما الاعتراض على هذا الاخطبوط، وكأن لسان حال هؤلاء يقول إن من لا يقوى كوكب بأسره على صده لن نفلح نحن في ذلك. ونحن الأضعف بكل المقاييس.
هكذا تصبح المعادلة متجاوزة للشرط الديمغرافي في أي صراع، ومجردة وغير قابلة لأي تجسيد، ولا بد أن تنتهي متواليتها إلى الامتثال والتأقلم مع الأمر الواقع باعتباره قدراً لا مفر منه.
يقابل هذا الغلو في تصوير النفوذ الصهيوني، تصور آخر تبسيطي، ولا يعترف بالأرقام والإحصاءات ويركن إلى خطاب نشيدي، يتأسس على التفكير الانفعالي والتحريض غير المرتكز على قوة.
ولم يتبلور حتى الآن فريق ثالث، يرى الأمور كما هي، ولا يبالغ فيها، كما أنه لا يقلل من أهمية خصم أحصى نصف قرن من عدوانه الدائم بالانتصارات العسكرية والاحتلالات المتعاقبة.
وما نعنيه بهذا التعاقب، ليس أن الدولة العبرية تحتل كل بضعة أشهر عاصمة عربية أو أرضاً جديدة، بل هو المعنى الدقيق الذي أشار إليه سارتر في كتابه “جمهورية الصمت” الذي كتبه أثناء الاحتلال النازي لبلاده، وقال فيه إن الاحتلال هو الفعل الوحيد الذي يتكرر مع كل صباح جديد، ما لم يكن هناك مقاومة أو محاولة لإنهائه، فالاحتلال بهذا المعنى يعيد الفعل ذاته يومياً، وليس جريمة حدثت واكتملت في حرب واحدة فقط.
من الناحية النفسية وما يرفدها ويرسخها تاريخياً كان العرب القدماء يبالغون في قوة العدو، كي يبدو انتصارهم عليه مبرراً، وجديراً بالزهو، لكنهم كانوا يبالغون في قوة العدو بعد الفراغ من مقارعته والغلبة عليه.
أما العرب المعاصرون فقد شذوا عن تلك القاعدة ذات الجذر المناقبي والفروسي وأصبحوا يستخفون بأعدائهم قبل الالتحام معهم في حرب، ثم يعترفون بعد الهزيمة بأن الخلل كان جذرياً في ميزان القوة.
إن صراعات التاريخ الكبرى لم تكن ذات يوم قابلة للتعامل معها على هذا النحو الذي يعفّ عنه حتى جُحا في حروبه الصغيرة.
وبأبسط الحسابات فإن كل يهودي في فلسطين يقابله خمسون عربياً على الأقل في العالم العربي، وبإسقاط الشرط الديمغرافي للحروب الحديثة يبقى ما هو عصيّ على الحاسوب. وهو الإرادة وشحنة الممانعة، لكن هذا المتبقي أيضاً وجد من يحذفه من معادلة الصراع، لسبب واحد فقط، هو أن العدو له نفوذ كوني، وكأنه الشيطان الذي تحول إلى هواء وماء، ودخل إلى ساق زهرة اللوتس وشجرة الزيتون، كما تقول حكاية إغريقية بحاجة إلى تعريب. - الخليج الاماراتية 16/3/2006 -