“إسرائيل” لم تعتقل أحمد سعدات في أريحا يوم 13 مارس/آذار الجاري لأنه لم يكن حرا طليقا. وإنما كان رهين اعتقال أمر به الرئيس عرفات في 15 يناير/كانون الثاني ،2002 برغم اعتبار النائب العام الفلسطيني قرار الاعتقال غير مشروع ومطالبته بإطلاق سراحه فورا. وبعد حصار مبنى المقاطعة في رام الله في 29/3/2002 ومطالبة “إسرائيل” به وبرفاقه جرت مفاوضات شاركت فيها أطراف عربية ودولية، ومثّل السلطة فيها وفد ترأسه محمود عباس، وتقرر نقل سعدات واللواء فؤاد الشوبكي ورفاقهما في سيارات السفارة الأمريكية إلى أريحا، ليودعوا في السجن تحت إشراف سجانين أمريكيين وبريطانيين، ولم يطلق سراح سعدات برغم قرار محكمة العدل العليا الفلسطينية في 3 يونيو/حزيران 2002 بالإفراج عنه.

ولم تختطفه “إسرائيل” عنوة، لأن مهاجمة السجن لم تكن مباغته إلا لحراسه. إذ كانت “إسرائيل” قد اتفقت مع الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية على سحب السجانين الأمريكيين والبريطانيين، وأبلغ بذلك الرئيس محمود عباس رسميا. وبالتالي لم تكن عملية تدمير السجن سوى فصل من فصول مسرحية تنفيذ القرارات المرفوضة شعبيا، التي توالت فصولها منذ حرب 1948 1949 حين كان الضباط الانجليز يشعرون “الوكالة اليهودية” مسبقا عن أي معسكر أو موقع استراتيجي سيجرى إخلاؤه. وحينها شاركت بعض القوات النظامية لدول المشرق العربي، على غير استعداد، في حرب محسومة النتيجة سلفا، وكانت مشاركة بعضها اسهاما في التنفيذ العملي لقرار التقسيم. وكذلك هو الأمر بالنسبة للمناضلين الذين جرى تسليمهم بتواطؤ ثلاثي مع “إسرائيل”: أمريكي وبريطاني وسلطوي.

ولم يكن حراس السجن، الذين تربوا على عدم مقاومة السادة المحتلين، هم وحدهم الذين امتهنت كرامتهم بإخراجهم شبه عراة مساء الثلاثاء الأسود، وإنما نهج أوسلو أيضا، الذي أسقطت عنه آخر أوراق التوت التي تستر سواءته، وافتضح على نحو صارخ رهان رموزه العبثي على “المجتمع الدولي”، متجاهلين انه كان ولا يزال حاضنة المشروع الصهيوني. بل اتضحت حقيقة ما تمخضت عنه مفاوضاتهم الماراثونية من اتفاقيات إذعان، بدليل عجز سلطتهم عن حماية المعتقلين في سجونها، وشلل إرادة رئيسها عن اتخاذ أي مبادرة لحفظ ماء الوجه. ولم يكن متعذرا عليه وقد علم بالقرار الأمريكي البريطاني قبل أسبوع إعلام الجبهة الشعبية بما غدا مبيتاً لأمينها العام ومناضليها الذين نفذوا قرار إعدام زئيفي انتقاما للشهيد أبوعلي مصطفى. فضلا عن أنه لم يكن مستحيلا تأمين وصول المناضلين المعتقلين إلى أحد المخيمات القريبة ليتولى شعبهم حمايتهم ما دامت أجهزة السلطة لا تملك حرية الإرادة والمبادرة.

وحين يبلغ هوان السلطة على هذا النحو المشين، وما دامت ليست لها سيادة فعلية حتى على أريحا المرفوضة يهوديا بحكم التوراة، فضلا عن أنها غير قادرة على حماية بعض أعز وأكرم مواطنيها، وقصورها عن توفير متطلبات توفير الحد الأدنى من العيش الكريم لغالبيتهم الساحقة، وحين تكون هذه هي حال السلطة، فالشيء المؤكد أنها ليست سوى جهاز إداري محدد دوره بإعفاء دولة الاحتلال من تبعات إدارة شؤون المواطنين في “المناطق” المحتلة، وضبط حراكهم الوطني بما يضمن “أمن” المستوطنين، الذي عجزت عن تأمينه آلة الحرب الصهيونية.

والذي توضحه البرامج الانتخابية للأحزاب “الإسرائيلية” الرئيسية إجماعها على رفض الانسحاب لحدود ،1967 وإعادة اللاجئين، وإصرارها على الاحتفاظ بالقدس الموحدة عاصمة أبدية، ورفض تفكيك مستوطنات الضفة، حيث بات هناك ما يزيد على ثلاثمائة ألف مستوطن يقاربون 30 % من سكانها. وبالتالي فالحصاد المر لاتفاق أوسلو يحول دون إقامة الدولة كاملة السيادة من خلال المفاوضات، بصرف النظر عمن يشارك فيها. الأمر الذي يحتم على كل الفصائل الائتلاف في “جبهة مقاومة” تلتزم بالنضال للتحرر من كل ما تمخض عنه اتفاق أوسلو، والتقدم باتجاه تنفيذ قراري مجلس الأمن 242 و،338 كما سبق أن نفذت المقاومة اللبنانية القرار 425 من دون مفاوضات وتنازلات.

وليس هذا بالأمر العسير، وإنما هو مطلب واقعي في ضوء حقائق الصراع في الأرض المحتلة. إذ لم تعد جماهيرها، وبخاصة أجيالها الشابة، مسكونة بثقافة الهزيمة، كما كانت عليه حال الذين وقعوا اتفاق العار في أوسلو، بحيث ارتضوا بما تضمنه من تنازلات، وواصلوا تقديمها بحجة الواقعية. فضلا عن أن صورة الشعب العربي الفلسطيني هي اليوم موضوع إعجاب وتقدير شعوب العالم، وأنه بات قادرا على إفشال كل محاولات تفجير الصراعات اللامجدية بين فصائله. علاوة على أن مباحثات “حماس” مع بقية الفصائل أوضحت نقاط الاتفاق المطلوب تعزيزها ونقاط الخلاف الواجب تحجيمها، كما أن برنامج حكومتها يؤشر إلى توجه ديمقراطي وتعاط موضوعي مع الواقع المأزوم. فيما الصهاينة بتأثير الانتفاضة أشد قلقا على الحاضر والمستقبل منهم سنة 1993. وعليه فقد توفرت لجميع الفصائل، وليس “حماس” فقط، فرصة تاريخية لتحرير كامل الضفة والقطاع وإقامة الدولة تامة السيادة وعاصمتها القدس، إن هي أحسنت قراءة الواقع بموضوعية.

وغير صحيح الادعاء بأن القصور العربي الرسمي والشعبي علّة تقصير القيادات الفلسطينية. فالثابت انه منذ (هبة البراق) سنة 1929 كان نهوض الحراك الوطني الفلسطيني يستدعي تطورا ايجابيا في المواقف الشعبية ثم الرسمية العربية. وإذا كانت أوسلو قد شرعت الأبواب للتطبيع في مغرب الوطن العربي ومشرقه، وأسهمت في هبوط سقف المطالب الرسمية العربية بحيث اعتبرت مبادرة القمة في العام 2000 انجازا. فالأمر المؤكد أن تصعيد المقاومة بكل الوسائل المشروعة، وقيام “جبهة المقاومة” الواسعة، كفيلان بأن تعود “القضية الفلسطينية” قضية العرب المركزية. وبهذا تتحقق الاستجابة للتحدي الذي شكله تسليم سعدات ورفاقه، وإذلال وامتهان كرامة الحراس العرب. - الخليج الاماراتية 24/3/3006 -