ما من محصول في الطبيعة لم يكن ذات يوم موضوعاً لحرب أو تنافس أو نزاع، بدءاً من الثالوث الأبيض، وهو الملح والسكر والطحين، حتى النفط والقطن والكاكاو، وهذا ما دفع الكوبيين مثلاً إلى أنهم وحدهم من يعرفون مرارة السّكر، تماماً كما أن منتجي الصوف والقطن كانوا عراة، والذين اصطبغت وجوههم وأيديهم بدخان المناجم وغبارها يفتشون عند الخروج بأشعة إكس! رغم أنهم أصحاب الأرض وما في باطنها.

وحرب التجويع لم تبدأ في غزة، ولن تنتهي في أية بقعة من هذه الجغرافيا الحزينة، إنها حرب يلجأ إليها الغزاة عندما تتكسر كل مفاتيحهم في القفل العنيد، وبين حرب التجويع وحرب الترويع أكثر من وشيجة، فإحداهما قد تفضي إلى الثانية، وأحياناً تفضي الاثنتان إلى الحلقة الثالثة من الحرب القذرة وهي حرب التركيع! بمعنى تطويع الضحية كي تتأقلم مع آلامها، وتخسر آخر رجاء في تجاوز شروطها الفظّة.

ومنذ بداية الاحتلال جربت الصهيونية هذه الحروب بتعاقب أو تزامن، لأنها تهدف استراتيجياً إلى تهجير الفلسطينيين وإحلال يهود قادمين من مختلف الأصقاع والقارات مكانهم!

لكن حرب التجويع الراهنة ذات ملامح خاصة واللعاب الذي تبحث عنه في الأفواه المشقّقة له طعم آخر، قد يكون أشد مرارة من قصب السكر الكوبي ومن العلقم ذاته.

فوز حماس الذي جاء متجاوزاً للتوقعات ومحرجاً للحواسيب الذكية، هو السبب الآن في إعلان حرب التجويع ضد الفلسطينيين، والمقصود هو ببساطة وكما يتكرر يومياً عشرات المرات بمختلف الألسنة واللغات هو إشعار الشعب الفلسطيني بأنه أخطأ الاختيار وفتح الباب الخطأ، الذي غالباً ما علّقت عليه يافطة تقول: احذر اللمس، وقد يوضع على بابه رسم تقليدي لجمجمة.

هذا العقاب ليس شيطانياً فقط، بل هو مضاد للتاريخ، ومناقض لأطروحات القضاة الذين قفزوا من الأقفاص إلى المنصات.

فالمسألة ليست في الصواب والخطأ، أو أي من هذه المقايسات على معيار وهميّ، لأن الفلسطينيين انتخبوا من أرادوا وليس مهماً الآن البحث عن الدوافع التي أدت إلى هذه الإرادة، لأن كل شعوب العالم لها دوافع متفاوتة وهي تنتخب هذا الحزب أو ذلك التيار السياسي.

ولم يكن الشعب الذي انتخب حماس مخدراً أو سائراً في نومه، أو مسجى في غرفة الإنعاش، لقد كان وما يزال يرفل بكامل عافيته النضالية، وقد يضطر أحياناً ككل شعوب الأرض الى أن يفاضل، وأن يعلن العصيان البرلماني على هذا الطرف أو ذاك.

والأغلب أن حرب تجويع من هذا الطراز لن تحرز من النتائج ما يجعلها حرباً ظافرة، لأن الفلسطينيين جربوا الحروب كلّها والأسلحة كلّها حتى المحظور منها، والذي جرّب في لحم الأطفال الرضّع والعجائز!

وإذا كان لكل سيف درع، ولكل سلاح مضاد يحاول شلّ حركته أو إحرافه عن إصابة الهدف، فإن لدى الفلسطينيين دروعاً كثيرة ضد هذه الحرب القذرة، فهم علموا دجاجهم أن يكون زاجلاً في أيام منع التجول، وجعلوا من أحشاء البطيخة بأخضرها وأسودها وأحمرها علماً فوق أسطح المنازل وليس علفاً للبهائم.

لقد انتهت حرب الترويع إلى تلقيح من أرادت ترويعهم ضد كل مصادر الرّعب، وانتهت حرب التطبيع إلى مزيد من التحصن بالهوية والجذور، ولن تنتهي حرب التجويع إلى اعتذار الشعب الفلسطيني عن اختياره. - الخليج الاماراتية 28/3/2006 -