في البداية نشكر الشعب المصري ، على نجدته وشهامته التي أبداها في تضامنه وشعوره الطيب مع الشعب الفلسطيني ، ونثمن غالياً ما قدمته مصر للقضية الفلسطينية ، منذ بدايتها وحتى هذه اللحظة ، وهذا ليس جديداً على الشعب المصري، فقد كانت دائماً وعلى مر العصور والازمان تأتي نجدة الفلسطينيين من مصر ، لأن فلسطين هي بوابة مصر، ومعظم الغزوات التي تعرضت لها أرض الكنانة كانت عن طريق فلسطين، وتربط البلدين روابط الجوار والأخوه واللغة والدين والتاريخ والجغرافيا .
ولكن ما يثير القلق في هذا الموضوع ، حصار الشعب الفلسطيني وتدمير مقومات اقتصاده ، وخاصةً في المناطق التي انسحبت منها إسرائيل ، فقد دمرت المباني واقتلعت الاشجار ، وعاثت فيها خرابا ودماراً ، منطلقة من الحقد والكره الصهيوني لهذا الشعب ، لا لسبب إلا لأنه يدافع عن وجوده ، وعن هويته وحريته وممتلكاته التاريخية ، ويدافع عن اقتلاعه من هذه الأرض التي عاش فيها وعليها قروناً طويلةً من الزمان تصل الى خمسة الاف سنة واكثر.
لم يحصل في التاريخ أبداً أن اعتدى الفلسطينيون على اليهود ، أو أساؤا إلى دينهم ، أو حاربوهم في رزقهم وحريتهم ، فقد كان اليهود يعيشون في فلسطين قبل إنشاء الدولة الصهيونية عليها بأمان وأطمئنان ، وحسن معاشرة وجوار ، وعاملهم الفلسطينيون من منطلق طيبتهم على أنهم ضيوف ، وأكرموهم وتقاسموا معهم لقمة العيش ، واحترموا ديانتهم ومقدساتهم .
فالتاريخ يشهد أن الفلسطيني تعايش مع مختلف الطوائف والأعراق ، لمِا مر على فلسطين من سلسلة أحداث تاريخية طويلة ومتتالية ومتزاحمة وحضارات متعددة ، جاءوا غزاةً محتلين ، ورحلوا عن هذه الأرض ، وبقي الفلسطينيون ، وكان ارتباطهم بهذه الأرض ارتباطاً عضوياً ونفسياً وروحياً ، واصبحوا جزءاً منها ، تراهم في جبالها ووديانها ، ونباتاتها وأشجارها ، وارتبط تراثهم وغذاؤهم وعاداتهم وتقاليدهم بطبيعة تلك الأرض ومناخها وثمارها .
فالفلسطيني يُعرف بالزيت والزيتون والزعتر ، والتين والعنب والحمضيات.
وما يؤجج هذا القلق هو السكوت العربي على ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من تجويع وحصار وإذلال ، من عصابات عنصرية حاقدة ، تصب جام غضبها واسحلتها الفتاكة على هذا الشعب الذي أصبح كالأيتام على موائد اللئام .
ومما يؤسف له حقاً ذلك التصعيد الإسرائيلي المتعمد ضد الفلسطينيين ، والسكوت العربي المطبق . والتخاذل العربي أمام التحدي الإسرائيلي ، وتمزيقه ونقضه لكل العهود والمواثيق ، بكل غطرسةٍ وفوقيةٍ مُتعالية .
كنا نتمنى أن يكون هنالك موقفاً عربياً موحداً ضد الهجمة الصهيونية على شعبنا الأعزل ، وذلك بدعوة مجلس الجامعة العربية للانعقاد ، واتخاذ مواقف سياسية موحدة لمواجهة المد الصهيوني المستشري في جسد هذه الأمة ، من فلسطين إلى حدود إيران. ان موقفاً عربياً حاسما وفاعلاً وداعماً أهم لدينا من أطنان المواد الغذائية ، ففلسطين ارض مباركه لا يجوع فيها انسان او حيوان او نبات .
ومما يزيد النفس ألماً هو الإعلام الغربي ومن ورائه العربي ، الذي يركز على الفلتان الأمني في الأراضي الفلسطينية ، ويظهره على أنه دلالة على فشل السياسة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال والحصار . فنجد أقلام الصحفيين العرب تنشط في نقد الوضع الأمني الفلسطيني والفساد السلطوي. وتبين أن الفلسطينيين غير قادرين على ضبط الأوضاع ، وقيادة السفينة الفلسطينية.
وهذا ما تهدف إليه السياسة الإسرائيلية ، وتسعى للوصول إليه، لاثبات عدم أهلية الشريك في عملية السلام. يحق لنا أن نتساءل ، هل الفساد الإداري والأمني يقتصر على الفلسطينيين ؟ وهل الدول العربية والغربية تخلو من هذا الفساد ؟ وإن كان هنالك فساداً من بعض مسؤولي السلطه فقد تعلموه من إخوانهم المسؤولين العرب في المؤتمرات والمنتديات العربيه لأنهم جدد عليها ، والجديد يتعلم من القديم.
وكيف لسلطة تتعرض للتجويع والحصار الاسرائيلي والغربي والهجر العربي الرسمي والهدم والدمار أن تحفظ الأمن؟ .
وهل استطاعت أمريكا بقوتها وتقدمها التكنولوجي أن تحفظ الأمن في العراق ، أو تعيد التيار الكهربائي إلى الشعب العراقي ، وتوفر لهم الوقود كدولة محتله اضحت مسؤولة عن امن المحتلين حسب الشرائع الدوليه التي تقودها الولايات المتحده ومن خلفها بريطانية العظمى وهما تواجهان حرباً من شخص اسمه الزرقاوي مشرداً في صحاري العراق على حد زعمهم ؟
وهل تستطيع الولايات المتحده الامريكيه ان تحمي مواطنيها عندما يسحبون النقود من البنوك ويتجولوا بها في الاسواق الامريكيه كما هو في الاراضي الفلسطينيه.
وهل تستطيع امريكا ان تحفظ امن مواطنيها من السرقات والسطو اذا انقطع التيار الكهربائي عن بعض الاحياء في اي ولايه؟
لقد حاصروا الرئيس ياسر عرفات ودمروا سلطته في ظل الصمت والهجر العربي، وكانوا يطالبونه بحفظ الأمن في الاراضي التي تخضع امنيا الى اسرائيل ، عجباً لهذا الزمان الردئ!!! لقد وجدت وسائل الاعلام العربية ، من صور استسلام افراد الأمن الفلسطيني عراة إلى القوات الإسرائيلية المعتديه يوم عملية سجن اريحا مادة دسمة للعرض ، وإعادة العرض وما علموا أن هذا هو استسلام للعرب جميعا ، وأن عُرْيَ أفراد الأمن الفلسطينيين هو عُرْيٌ للامة العربية جمعاء.
تماماً كما يعرضون صورة الرئيس العراقي وهو يحاكم ، وما علموا أن الأنظمة العربية كلها تحاكم في محاكمة صدام حسين . كنا نتمنى أن نرى مظاهرة أحتجاج على الأوضاع الفلسطينيه في غزه هاشم ، لكان لنا أثمن وأغلى بكثير من منظر الشاحانات المحملة بالمواد الغذائية ، مع عميق تقديرنا وشكرنا لنخوة الشعب المصري الأبي الذي نكن له كل تقدير واحترام ، لان هذا أقصى ما يمكن أن يقوم به في هذه الظروف الرديئة ، نعلم أنهم لا يقصرون في أي مساندة أو عون مهما كان ، ولكن العيون بصيرة والأيادي قُصِرت والاجنحة قصقصت ، ورحمة الله على الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وطيب الله ثراه ، وألف تحيه إلى الشعب المصري البطل.
هذه هي عادة إسرائيل تتحدى العرب جميعاً، ودائما قبل انعقاد مؤتمر القمة، وتضعهم أمام الأمر الواقع المر، وكأنها تطلق بالون اختبار في المحيط العربي ، لتجس النبض العربي ، قبل اقدامها على فعلةٍ غادرةٍ وشائنه تنوي القيام بها ضد الاجماع العربي لترى ما هم فاعلون .
وكفانا الله شر ما هو قادم ، وإغفال العرب لما تخبؤُه لهم إسرائيل بعد مؤتمر الخرطوم كما تعودنا بعد كل مؤتمر . فقد انعقد مؤتمر بيروت ومنع عرفات من حضوره بقرار اسرائيلي وسكوت عربي ، وبعد انتهاء المؤتمر الذي اطلق المبادره العربيه والتزام المؤتمرين بها ، اندفع بعض المسؤلين العرب الى هرولة التطبيع ولقاء المسؤلين الاسرائيليين واصبحت اجندة سيلفان شالوم مزدحمة باللقاءات العلنيه والسرية معه وانضم اليهم انظمة اسلاميه عرفت بتشددها حيال اسرائيل على رأسها الباكستان.
وفي مؤتمر القاهره عام 1990، والذي انعقد لبحث المسأله العراقيه الكويتيه ، استغلته الولات المتحده الامريكيه كغطاء عربي لحربها على الشعب العراقي الذي كان يعاني الحصار والتجويع ويهدده شبح الموت ، لا بل وشاركت الجيوش العربيه صاغرة لأوامر حكامها في هذه الحرب. وتم وأد المحاولات العربيه لايجاد مخرج لهذا المأزق ضمن المحيط العربي والذي كان ممكنا حله بالحوار ، ولكن الولايات المتحده كانت حينها تخبؤ نوايا احتلال العراق التي حلمت وحملت به منذ عام 1973 يوم استخدم النفط العربي في الدفاع عن حقوق العرب المسلوبه . وضاع بعد المؤتمر العراق ولحقت بفلسطين جاثمةً تحت الاحتلال الاجنبي وتعاني من القطيعة العربيه.
وفي مؤتمر الرباط عام 1974 انتزع الفلسطينيون قرارا عربيا اعترف بموجبه العرب بأن منظمة التحرير الفلسطينيه ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني. فابتهج الفلسطينيون بهذا القرار الذي حدد معالم الهوية الفلسطينيه ، لظنهم ان امتهم العربيه ستدعم هذا القرار ، وما خطر ببالهم ان هذا القرار اصبح البوابة الواسعه والمشرعه التي خرجت منها الدول العربيه تباعا من ساحة الصراع العربي الاسرائيلي واختزل الان، ليصبح الصراع الفلسطيني الاسرائيلي. واقتصر الدور العربي على الوساطات وممارسة الضغط على الفلسطينيين من اجل تقديم التنازلات التي اصبحت تقتطع من العظم الفلسطيني ، وعلى ارسال الشاحنات الغذائيه وشعوبهم بحاجة ماسه الى رغيف الخبز. فالشعوب العربيه ليست بأفضل حالا من الشعب الفلسطيني واصبحت كلها في الهم شرق. فالشعب العراقي يعاني من الجوع ويعتبر العراق اغنى دولة عربيه.
لهذا نقول كفانا الله شر مؤتمرات القمه العربيه والامثلة على ذلك واضحة ومن صميم الواقع الذي عايشناه ليس فيها تجنٍ على الحقيقه والتاريخ وليست شهادة زور وبهتان. - مفتاح 31/3/2006 -