هنالك ديمقراطية أولي فلسطينية، وليدة لكنّ خطواتها الاولي ثابتة مكينة، اعترف حتي ألدّ أعدائها بأنها أجرت انتخابات تشريعية حرّة ونزيهة، لكنها منكَرة مستنكَرة من جانب العالم ذاته الذي يقضي آناء الليل وأطراف النهار في الحثّ ـ ليس دون نفاق وتكلّف وكذب أحياناً ـ علي إشاعة تلك الديمقراطية تحديداً. وهنالك ديمقراطية إسرائيلية، عمرها أكثر من نصف قرن، قامت دولتها وتسعة أعشار مؤسساتها علي الاحتلال والاغتصاب والاستيطان والعنصرية والفاشية، يصفّق لها العالم إياه بلا هــــوادة، وليس دون قلق من صعود هذا الحزب أو هبوط ذاك، ويشارك دون إبطاء في كلّ تنكيل ممكن بالديمقراطية الأولي الفلسطينية، لصالح الديمقراطية الثانية الإسرائيلية.
أهذا مثال جديد، أم هي ربما أمثولة إضافية، في لعبة عتيقة اسمها الكيل بمكيالين، أو بمكاييل عديدة؟ أهو نبيذ جديد تستخرجه الديمقراطيات الغربية العجوز، من الأمريكية إلي الكندية فالألمانية والبريطانية والفرنسية...، من الدنان العتيقة ذاتها؟ أم أنّ تنويعات طرأت علي اللعبة فبدّلت قواعدها، في كثير أو قليل؟ وماذا يمكن أن تكون مآلات مقاطعة الديمقراطية الفلسطينية، أي مقاطعة الشعب الفلسطيني ذاته، سوي سحب الاعتراف بهذا الشعب عملياً، بعد صبغه كابراً عن كابر بألوان حماس وحدها تقريباً، وإنزال العقاب به لأنه اختار برامجها طائعاً حرّاً؟
وما الفارق، في نهاية المطاف، إذا كانت ذريعة تلك الديمقراطيات تنهض علي نسف اللعبة الديمقراطية، أو معظم أركانها وركائزها وأعرافها؟ ألا تقول الديمقراطيات الغربية ما يلي، وإنْ في صياغات أكثر فذلكة وإبهاماً وحذلقة: لكي يتمّ الاعتراف بالديمقراطية الفلسطينية (أي بحكومة حماس التي جاءت إثر انتخابات حرّة نزيهة)، علي هذه أن تعترف بالديمقراطية الإسرائيلية (أي بدولة الاحتلال والاغتصاب والاستيطان والأسر والقصف وتهديم البيوت وتجريف الأراضي والجدار العازل...)، الأمر الذي يلزم حماس بأن تتنكّر للبرنامج السياسي ذاته الذي جاء بها إلي الحكم، وأن تنقلب بنفسها علي نفسها، وعلي ثقة ناخبيها في برامجها!
ثمّ إذا كان المقصود من إنكار هذه الديمقراطية الفلسطينية، التي جاءت بأغلبية كاسحة لـ حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني الجديد، هو ذرف الدموع علي المجلس السابق الذي كانت أغلبيته لـ فتح ، فإنّ الدموع ليست من الطراز الذي تذرفه التماسيح فحسب، بل هي أقرب إلي الضحك علي اللحي الفتحاوية (إلي جانب اللحي الأخري لأمثال السادة ياسر عبد ربه شريك يوسي بيلين، وتيسر خالد المحامي بالأصالة والنيابة عن مستحاثات منظمة التحرير الفلسطينية، وجبريل الرجوب الذي لا يأنس في نفسه إلا صورة الـ Mr. Security الفلسطيني...)، وأقرب إلي الميلودراما والمسخرة. فما الذي فعلته الديمقراطيات الغربية لتلك الديمقراطية الأولي الفتحاوية، لكي تأنف اليوم من الديمقراطية الحمساوية؟ وهل كان حظّ ياسر عرفات ومحمود عباس وأحمد قريع مع الغرب، دعوا الدولة العبرية جانباً، أفضل من الحظوظ الراهنة لرجال حماس ؟
الأرجح، بهذا، أنّ المصادفة العمياء لم تكن وراء التلازم الزمني بين اقتراع الإسرائيليين في انتخابات الـ كنيست السابعة عشرة، وأداء حكومة هنية القسم أمام الرئيس الفلسطيني. أو لعلّ مصادفات من هذا النوع لا تقع إلا بوصفها الظلال الأخري لقوانين الضرورة، حين تنشأ علاقات وثيقة بين المصادفات المتفرقة التي تتراكم وفق هندسة متينة لكي تنتج المعني المشترك، وتوحّد النقائض. ولعلها تلك الجدلية الطبيعية العبقرية، في أبسط قوانينها الصارمة التي لا تكاد تختلف عن الثوابت العليا في أية منظومة منطقية محكمة. وقد تكون مظهراً يجسّد حاجة الظواهر إلي إئتلاف من نوع ما، في حقبة ليست عارضة أو مألوفة، ولا تفتقر معطياتها إلي المنطق الداخلي المتماسك اللائق بها: من إنكار ديمقراطية حماس إلي بدء حصار الشعب الفلسطيني، فانتخابات الـ كنيست ، و... اختتام مسرح العبث في الخرطوم، حيث ما يزال البعض يتحدّث عن قمّة عربية!
الروائي الإسرائيلي عاموس عوز، الذي يحدث أيضاً أنه أحد مؤسسي حركة السلام الآن ، لا يغرّد خارج السرب الذي فيه تغرّد الديمقراطيات الغربية والدولة العبرية حول صعود حماس فحسب، بل يعتقد أنه يغرّد داخل سرب الأنظمة العربية ذاتها! كيف؟ إنه، في التعليق علي نتائج الانتخابات الإسرائيلية، لا يخاف حماس بل يطمئن الحكومة الإسرائيلية القادمة إلي أنّ الأنظمة العربية اشدّ من الدولة العبرية قلقاً إزاء ديمقراطية حماس ، وأكثر خشية من عقابيلها ومفاعيلها! ليس من المحال التفكير في أنّ حكومات براغماتية إسرائيل وعربية يمكن أن تتوصل إلي صفقة ، يقول عوز قبل أن يوضح أنه يعني حكومتَي مصر والسعودية، ثمّ تُطرح هذه الصفقة علي تصويت الشعب الفلسطيني (الذي لا يؤيد حماس إلا بنسبة 41%، كما يبشّرنا)، فتحظي بالتأييد. حسناً، لماذا سوف يكون هذا التصويت ـ بافتراض أنه سيجري في أيّ يوم ـ شرعياً قانونياً غير منكَر وغير مستنكَر، ولا يلاقي تصويت الشعب الفلسطيني علي برامج حماس الشرعية إياها، أو لا يلاقي إلا ما هو نقيض الترحيب وعكــــس التشجيع؟
الروائي عوز يذكّرنا بإسرائيلي آخر هو المؤرّخ ميرون بنفنستي، حول هذا المخلوق العجيب الذي يُدعي الشعب الفلسطيني ، والذي يحضر أو يغيب لأسباب ليست البتة ذات صلة بالوجود أو العدم. ففي صيف العام 1999، حين كان يقضي أواخر أيامه في البيت الأبيض، ارتكب الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون إثم التلميح إلي حرية الشعب الفلسطيني وحقّ العودة. ورغم أنّ التصريح كان أقرب إلي زلّة اللسان، فإنه مع ذلك كان كفيلاً بإيقاظ حسّ الكابوس وذاكرة الهولوكوست وتواريخ العداء للسامية، هكذا دفعة واحدة، في نفوس الإسرائيليين، يميناً ويساراً. العبارة الرجيمة، التي لعلّها أفلتت من فم كلينتون لأنه كان آنذاك في مؤتمر صحافي مع الرئيس المصري حسني مبارك، هي التالية حرفياً: أودّ لو أنّ الشعب الفلسطيني يشعر بأنه حرّ، وحرّ أكثر في العيش حيثما يرغب وحيثمـــــا يريد .
بنفنستي سارع إلي طمأنة مواطنيه، في مقال عاصف نشرته صحيف هآرتز الإسرائيلية: هدّئوا من روعكم! ما من سابقة تعمل بمفعول رجعي، وعودة الأقلية الألبانية إلي كوسوفو برعاية الولايات المتحدة والحلف الأطلسي والأمم المتحدة لن تضع عودة اللاجئين الفلسطينيين علي جدول أعمال أيّ من هذه الأطراف. وبعد إتمام ألعاب المؤرّخ هذه، التفت بنفنستي إلي ألعاب التخييل والاستعارة وعلم النفس التحليلي: الكوابيس بطبيعتها كتيمة أمام الحُجَج العقلية، والذين يعانون من الكوابيس سوف يواصلون تخيّل ظلال الجبال بوصفها الجبال ذاتها . لكن بنفنستي توقف مطوّلاً، وبكثير من الاحتجاج والمرارة والدهشة، عند حديث كلينتون عن حقّ الفلسطينيين في العيش أنّي شاؤوا، معتبراً أنها الشيفرة السرّية للحديث عن حقّ العودة، وأنّ الحديث عن حقّ العودة هو الشيفرة السرّية للحديث عن تدمير إسرائيل.
الرجل كان معتدلاً ، والحقّ يُقال، بالقياس إلي المفسّرين الآخرين الذين أدلوا بدلوهم هنا وهناك في أعمدة الصحف الإسرائيلية، وبالقياس كذلك إلي ميراف بارسي ـ تزادوك التي نطقت رسمياً باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك (وكان آنذاك رئيس الوزراء المنتخب فقط) فقالت: إنّ موقف الرئيس كلينتون من مسألة حقّ العودة، كما يمكن أن يُفهم الأمر من تصريحاته في واشنطن يوم أمس، غير مقبول من جانب باراك . أكثر من ذلك، قطعت بارسي ـ تزادوك شوطاً إضافياً (مدهشاً بالفعل) حين اعتبرت أنّ كلينتون كان ضحيّة سوء فهم ، وأنه كان من الأجدر بالإدارة الأمريكية أن توضح الأمر وتصحّحه .
وفي واقع الأمر، ليس الهدوء سمة المزاج الإسرائيلي الراهن كما عكسته انتخابات الـ كنيست ، بل هي العلامات ذاتها التي اقترنت وتقترن بتصويت الإسرائيليين منذ أواسط السبعينات، والتي لا تدلّ إلا علي ما هو نقيض السكينة في علم النفس، ونقيض السلام في علم السياسة، ونقيض الاستقرار في علم التاريخ. العلامة الأولي أنّ المجتمع الاسرائيلي لم يخرج من الشرنقة في أيّ يوم، ولا ينوي ذلك حين تكون مقاعد حزب المتقاعدين، الذي يقوده ذئب عتيق مثل رفائيل إيتان (79 سنة) ربع مقاعد حزب كاديما الذي يبشّر بالمسير قدماً إلي أمام! العلامة الثانية أنّ اللعبة الديمقراطية تتيح لهذا المجتمع المنشطر علي نفسه أن يراقب خروج بعض الأفراد إلي السلام، وأن يتابع مسيرة ذلك الخروج بمزيج من الفضول والدهشة والفزع والقلق، قبل أن ينزل بهم العقاب الصارم والمهانة اللائقة بأنبياء توهموا في أنفسهم كرامة أهلية ما. أين بنيامين نتنياهو هذه الأيام، من أمجاده حين صعد قبل سنوات معدودة علي جثة شمعون بيريـــس!
الإسرائيلـــــي الذي صوّت لنتنياهو آنذاك كان يدرك، مثـــل إدراكه اليوم، يدرك أنّ البقاء داخل الشرنقة هو صيغة وجودية قبل أن يكون أي شيء آخر، وأنّ ملازمة ثقافة الإنكفاء علي الذات وإدمان العصاب الجماعي هما الترجمة الفعلية لموقف قياسي من السلام يقوم علي الفــزع والريبة والقلق الوجودي، مثلما يقتات علي العنصرية اللاهوتية والغطرسة الميتافيزيقية والممارسة الكولونيالية.
علامة ثالثة تمسّ صميم الحلم الصهيوني بتأسيس دولة عصرية علمانية، ذات تقاليد سياسية ومدنية راسخة وصلبة تحكمها معايير عقلانية صارمة وديمقراطية، سواء لجهة التعاقد الداخلي بين الأفراد والجماعات والأحزاب والمؤسسات، أو التعاقد الخارجي مع الجوار والعالم. كان انتصار نتنياهو انتصاراً لحالة من الهستيريا الجماعية تري أن بمقدور رجل واحد، يؤجج نار الترهيب مستخدماً حطب الإرهاب ، أن يلغي ما تعاقدت عليه الدولة وأن يؤهّب جحافل الـ تساحال للزحف من جديد علي غزة وأريحا ونابلس ورام الله وبيت لحم. وكانت هزيمته النكراء أمام إيهود باراك نقضاً لذلك اليقين، مثلما كانت هزيمة الأخير أمام أرييل شارون نقضاً لنقض النقض! أيّ نقض لأيّ نقض سيشكّله انتصار إيهود أولمرت؟ ليست الإجابة شاقة، خصوصاً إذا وضع المرء مفردة انتصار بين أهلّة، قبل سلسلة من إشارات الاستفهام والتعجّب.
ما الذي سوف يُلزم هذه الديمقراطية الإسرائيلية بالتفاوض مع، أو حتي بعدم تقويض واغتيال واستئصال، هذه الديمقراطية الفلسطينية؟ نعود إلي قوانين المصادفات فنتذكّر أنّ الذكري الخامسة لتوقيع اتفاقات أوسلو تزامنت مع إطلاق كازينو القمار في مدينة أريحا الفلسطينية المحرّرة/المحتلة، وأنّ هدير الدبابات والبلدوزرات حول سجن اريحا، وليس قريباً من كازينو أريحا، كان ربما الموسيقي الأكثر صخباً في آذان المقترعين في انتخابات الكنيست! في صياغة أخري، لعلّ واحة كازينو أريحا هي أفضل ما يملك الفلسطينيون والإسرائيليون من واحات سلام شرق ـ أوسطية وُعدوا بها، ثم صدّقوا أنها قادمة لا ريب فيها. وأن يري المرء في افتتاح الكازينو وصمة عار أو مجرّد بزنس مثل سواه، أمرٌ لا يغيّر الكثير من فحشاء المفارقة إياها: فيش الـ بلاك جاك هو ميدالية السلام الوحيدة التي وضعها الإسرائيليون قريباً من صدورهم دونما إحساس بالعار والخسران والسخط التوراتي، وأزيز الـ روليت هو النشيد الوطني الوحيد الذي يُسمح للآخر بعزفه ولا يجد الإسرائيليون غضاضة في الإصغاء إليه، بل ويشنّفون الآذان أيضاً!
لعلّ هذه هي الديمقراطية الوحيدة التي يعترف الغرب، تصديقاً لاعتراف الإسرائيليين، بصلاحية استخدامها من جانب الفلسطينيين، وصلاحية استهلاكها في واشنطن وبروكسيل وتل أبيب! - القدس العربي 31/3/2006 -