تفتق ذهن الرئيس الفرنسي جاك شيراك عن اقتراح حل "إبداعي" للأزمة المالية ذات الجذور السياسية، والتي يعانيها الفلسطينيون على وجه العموم، والموظفون الحكوميون منهم على وجه الخصوص. والحل المقترَح، الذي ستبحثه فرنسا مع غيرها من أعضاء اللجنة الدولية الرباعية في اجتماعها المقبل، إنما هو أول الغيث من الجهد الذهني الدولي لابتكار وإبداع طرائق وأساليب لاستئناف المساعدات المالية الدولية للفلسطينيين، ولدرء كارثة إنسانية وشيكة عنهم، مع تلبية الشرط الدولي الأول، وهو منع المال الدولي من الوصول إلى حكومة "حماس" قبل أن تستوفي الشروط والمطالب السياسية المجتمع الدولي للاعتراف بها والتعاون معها.

ومع الأخذ باقتراح الحل هذا، والذي هو أول الغيث من طائفة "الحلول الإبداعية" لتلك الأزمة، يخضع الفلسطينيون لسلطة جديدة هي الرابعة بعد سلطة الاحتلال، أو التسلط الإسرائيلي عليهم، وسلطة الرئاسة الفلسطينية، التي تعود إلى "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية، وسلطة الحكومة الفلسطينية التي تعود إلى "حماس"، وكأن الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، والذين جعلتهم إسرائيل شعبا بلا أرض فلا "تمنحهم" من الأرض، أي من أرضهم ووطنهم، إلا ما يلبي حاجتها هي إلى قيام دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة، يحتاجون إلى مزيد من هذا التعدد للسلطة والحكم، والذي شرع يتحول إلى "تعددية عسكرية وأمنية"، فإلى جيش الاحتلال وجيش السلطة، أخذ يقوم جيشان جديدان: "الجيش المؤازِر" الذي تتوفر وزارة الداخلية الفلسطينية على توسيعه وتطويره، و"الجيش الرادع" الذي أعلنت "فتح" عزمها على إقامته.

من قبل، أي قبل الفوز الانتخابي لحركة "حماس" وتأليفها حكومتها التي لا شريك لها فيها، كان "الولاء الشعبي ـ السياسي" يتجه إلى "مَنْ يأتي بالحل" للمشكلة القومية للشعب الفلسطيني بأوجهها التي يراد لها أن تصبح جزءا من ماضٍ لا أثر له في الحاضر أو المستقبل، فتارة، تركَّز هذا الولاء، في دعاة الحل عبر التفاوض السياسي عندما كان هذا التفاوض وهما كبيرا لم يُختبر بعد، وطورا، في دعاة الحل عبر المقاومة العسكرية، مع أن الغالبية العظمى من الفلسطينيين يعتقدون بأن "الخيارين" وجهان لـ "لمأزق الفلسطيني العام"، وإن آثرت غالبية هذه الغالبية أن تُظهر نقيض هذا المعتقَد الذي تخفي. أما الآن فـ "الخارج" من عربي وإقليمي ودولي يُظهر من عدائه الفلسطيني، أي من عدائه للحل الذي يريده الفلسطينيون لقضيتهم القومية، ما قد يؤدي، بحسب ما يتوقع ويريد، إلى تغيير "قاعدة الولاء الشعبي ـ السياسي"، فهذا الولاء يراد له أن يتجه، من الآن وصاعدا، إلى "مَنْ يأتي بالمال"!

من قبل، مسخوا القضية القومية للشعب الفلسطيني إذ غلَّبوا بُعْدها الإنساني على بُعْدها السياسي ـ القومي، فلم يروا فيها إلا مشكلة لاجئين تستحق حلا إنسانيا عادلا، لا أثر فيه للإنسانية والعدالة. ثم جاء أبناء القضية، فغلَّبوا بُعْدها السياسي ـ القومي على بُعْدها الإنساني. ثم حوصر ياسر عرفات واغتيل، لتبدأ بعد ذلك، وبفضله، جهودهم ومساعيهم لصنع كارثة إنسانية، يتحول فيها "الحل الإنساني" إلى مدخل لـ "حل سياسي"، قوامه وجوهره "حل شارون ـ اولمرت"، و"الحل السياسي" إلى مدخل لـ "حل إنساني"، مبتدؤه إنشاء صندوق، يديره البنك الدولي، تذهب إليه أموال "الثقاة" من المساعدين والمانحين والمغيثين الدوليين والعرب، فيتسلَّم كل موظف حكومي فلسطيني راتبه من يد "فوق الشبهات"، فتُدرأ، بالتالي، الحدود بالشبهات!

وكانت إسرائيل قد أعلنت، من قبل، أنها تفكِّر في نقل الأموال الفلسطينية التي تحتجزها إلى "قيادات محلية" من الفلسطينيين؛ لأن السلطة الفلسطينية كلها تقريبا تحوَّلت إلى "كيان إرهابي معادٍ"، وكأن الشوق يشدها إلى "روابط القرى". وعن قاعدة "شراء الولاء" لا تشذ "منظمات غير حكومية"، تتلقى أموالا سياسية لتنفقها في سبيل "تحسين" الولاء الشعبي ـ السياسي لجمهور من الفلسطينيين، مُظهرة نفسها على أنها جمعيات خيرية، أو جمعيات للبر والإحسان، منزَّهة عن السياسة وألاعيبها.

كل يسعى في استثمار ماله في صناعة جديدة هي "صناعة الجوع الفلسطيني العام"، التي يظنون أن الاستثمار فيها سيعود عليهم بربح سياسي وفير، فالتمويل، يثمر تجنيدا، يبدأ بتوسيع فئة المؤلَّفة قلوبهم سياسيا، لينتهي بتحويلهم إلى جيوش متنابذة، بينها وبين الاقتتال قاب قوسين أو أدنى، فـ "خطة شارون ـ اولمرت"، التي انضم إليها بيريتس، تحتاج إلى تحويل "الهدنة"، بعد تثبيتها وترسيخها وتمديدها، إلى حرب أهلية فلسطينية، فالطاقة العسكرية للمقاومة الفلسطينية يجب أن تُستنفد في اقتتال فلسطيني، سياقه السياسي هو التنازع على السلطة والصلاحيات والاختصاصات. وربما يُلبس لبوس "الدفاع عن الثوابت"، أو "إنقاذ الشعب ومصالحه العليا"، أو "منع منع المقاومة".

لقد استحدثوا، عن عمد وقصد، وضعا يحبل بكارثة إنسانية تصيب الفلسطينيين جميعا، بدءا بالموظفين الحكوميين وعائلاتهم، حتى يصبح في مقدورهم اتخاذ لعبة أو حيلة "الانتصار لحقوق الإنسان" وسيلة لجعل الإرادة السياسية العامة للفلسطينيين مفرغَة من محتواها القومي الذي ينبذه "حل شارون ـ اولمرت ـ بيريتس"، فالظاهر في سعيهم إنما هو الحرص على تلبية الحاجات الإنسانية للفلسطينيين، بمنأى عن "الإرهابيين"، والانتصار لحقوق الإنسان الفلسطيني، التي من أجل انتصارهم لها هيأوا للفلسطينيين تلك الكارثة الإنسانية ذات المحتوى السياسي. أما الباطن منه فهو حرب وحشية يشنونها على تلك الحقوق، فمتى، وفي أي مذهب سياسي أو عسكري أو إنساني، كانت "حرب التجويع" امتدادا لـ "السياسة"؟!

إنهم يزنون بـ "حقوق الإنسان"، بتجويعهم للفلسطيني، ثم بابتكارهم حلولا لإطعامه، في سبيل أن يأتي الإطعام بعد تجويع بكارثة سياسية، تذهب بالحقوق القومية للشعب الفلسطيني، وكأنهم يخيِّرون الفلسطينيين بين "الكارثة الإنسانية" أو "الكارثة السياسية"!

إن انتصارهم لحقوق الإنسان الفلسطيني يفقد معناه، ويصبح انتهاكا لتلك الحقوق، وتطاولا عليها، إذا ما كان الهدف ذبح القضية القومية للشعب الفلسطيني بسكين الحل الشاروني الذي اتفق عليه اولمرت وبيريتس، والذي يبحث عبر الكارثة الإنسانية عن يد فلسطينية تمسك هي أيضا بهذه السكين.

الفلسطينيون لا يحتاجون إلى تلك التعددية الكارثية في السلطة وأدواتها. إنهم يحتاجون إلى ثنائية "المقاومة ـ السلطة"، في معناها الفلسطيني الذي لا تشوبه عصبية فئوية. يحتاجون إليها على أن تقوم على ما للفلسطينيين مصلحة حقيقية في الإجماع عليه. إن لهم مصلحة حقيقية في الإجماع على أن تظل "حماس"، حركة وحكومة، عند رفضها الاعتراف الفوري وغير المشروط بإسرائيل، وعلى ضرورة أن تعترف "حماس"، فورا، بمنظمة التحرير الفلسطينية بصفة كونها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، ومرجعيته السياسية العليا، وفي الإجماع على احترام نتائج انتخابات المجلس التشريعي مع التزام مبدأ "تغيير نتائج انتخابات قديمة بانتخابات جديدة"، يتفق الفلسطينيون في أمر إجرائها حتى لا تكون سببا لنزاع داخلي لا تحمد عقباه، وفي الإجماع على خفض منسوب التسييس في الحكومة الفلسطينية حتى لا يأتي رفعه بتعريض الفلسطينيين لمزيد من الضغوط الدولية المالية والاقتصادية والسياسية، فالخيار الفلسطيني السليم هو أن يلبي "المفاوِض" حاجة "المقاوِم"، وأن يلبي "المقاوِم" حاجة "المفاوِض"، فبين المقاومة والسلطة برزخ ينبغي لكلا الطرفين الامتناع عن تجاوزه، ففي هذا التجاوز مكمن الخطر على المقاومة والسلطة معا. - ميدل ايست اونلاين 5/5/2006 -