في مشهد لافت للانتباه يبثه تلفزيون فلسطين للرئيس الشهيد ياسر عرفات - يرحمه الله- وهو يكرر كلمتي الوحدة الوطنية خمس مرات تقريبا وسط تصفيق وهتاف الجماهير، وكأنه كان يستقري بنظرته الثاقبة ما ستؤول إليه أوضاعنا الداخلية، محذراً في الوقت ذاته من الفرقة ومركزاً على الوحدة !!
من أعجب العجائب عندما لا تكون تجاربنا قد علمتنا، ومن أغرب الغرائب إصرارنا على تقديم مصالحنا الذاتية أو الحزبية الضيقة على مصلحة الوطن، ألم تعلمنا سلسلة ثوراتنا السابقة دروسا في مفهوم الوحدة؟ وهي التي كانت تبدأ بالتحام الجماهير مع قياداتها، وإلى ما كانت تنتهي إليه بعد دبيب الخلاف بين أقطابها في صراعات أضاعت جهودنا ودماء شهدائنا ولم نجن منها سوى الفشل وانتصار الخصوم وضياع الوطن !
ألم يكن العدو يعمل ولا يزال بعلمية ومنهجية لتحقيق أهدافه ؟ وكيف كانت الصورة المقابلة ؟ تشرذم وارتجال وارتفاع لصوت الأنا على صوت الجماعة ، علماً بأن آباءنا كانوا يتمسكون بحبل الله ربما أكثر مما نتمسك به الآن، وكانوا يقدمون أرواحهم رخيصة في سبيل الله أكثر مما نسترخصها نحن، ولكن النتيجة أن لعقنا جراح سوء تدبيرنا وفرقتنا فحصل ما حصل ووصلنا إلى ما نحن فيه!! كيف لا وقد هزم المسلمون في احد والرسول بين ظهرانيهم!! ألم يجعل الله سبحانه وتعالى الوحدة وعدم الفرقة مكملان أساسيان للاعتصام بحبل الله وذلك في قوله تبارك وتعالى ((واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا))؟.
لقد كان ياسر عرفات قائداً مؤمناً قارئاً جيداً للتاريخ ، مستفيداً من عبره وأحداثه، واقعياً لدى تفاعله مع الحاضر، منطقياً في معرفة إمكاناته وقدراته، مستشرفاً للمستقبل غير مبالغ في تطلعاته، وذلك وفقاً لمعطياته.
وهنا يطرح التساؤل نفسه: هل التاريخ يعيد نفسه؟ وللإجابة نقول بأن التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن صناع التاريخ على اختلاف مراحله قد يتماثلون فتتشابه النتائج.
هاهي إسرائيل تعبث في الأرض فساداً، فتقتل وتعربد وتقتلع الأخضر واليابس، تسجن الأم والزوجة والولد، إن لم تستطع اعتقال ضالتها، تبني الجدار والمستوطنات، وتدفن بجنازير جرافاتها ودباباتها تاريخنا وتراثنا وتطمس ثقافتنا ومقدساتنا، وتعلن للملاً بأنها سترسم حدودها الدولية من طرف واحد لعدم وجود مفاوض فلسطيني قادر على صنع عملية السلام معها!!
إسرائيل تعلن للعالم أنها ستمنح الفلسطينيين دولة مقطعة الأوصال ، مبدية للأسرة الدولية حسن نواياها، وعدم رغبتها في استمرار دوامة العنف في المنطقة !! يتم ذلك بطريقة علمية ومنهجية مدروسة ، مدعومة بالقوة والاتفاق التام بين أطياف اللعبة السياسية في إسرائيل ، وفق استراتيجية لا يملك رئيس الوزراء منها سوى التنفيذ كائناً من كان !!
وماذا عن الصورة المقابلة ؟
ضبابية هي الصورة لا معالم لها للأسف ، سيد الموقف هو إثبات الذات فبدلاً من المشروع الوطني واضح المعالم ذو الوجهة الواحدة الموحدة ، لدينا العديد من المشاريع ! وبدلاً من الصوت الواحد لدينا العديد من الأصوات وبدلاً من وجهة النظر الواحدة ، تعددت وجهات النظر حتى على مستوى الفصيل الواحد أنقسم إلى عدة فصائل ومن هم في الداخل غير أولئك المشتتون في الخارج ، والسلطة ليست المنظمة والمنظمة لا تمثل الجميع ، والنتيجة هي الجوع والفقر والضياع !! أين هم عقلاؤنا ؟ أين أولئك الذين صنعوا من شعبنا أسطورة تلاطم أعتا قوى الاستكبار في العالم ، وأجبروها على الاعتراف بعدالة قضيتنا وأعادوا للشعب الفلسطيني وجوده على خريطة الجغرافيا السياسية الدولية ؟ حرام علينا أن نضّيع جهودهم ، حرام علينا أن نتنكر لأرواح شهدائنا وبطولات أسرانا ومعتقلينا ، حرام علينا أن ننسى تضحيات شعبنا في كل مكان من أجل وزارة أو رئاسة أو كرسي حكم معلق في الهواء.
الرئاسة تحاول جاهدة ترقيع ثوب أصابه البلى وقد ضاق ذرعا من العاملين على اهترائه!! ، ووزارات لا تملك على الأرض إلا اسمها، تتغنى بتمثيل شعب منحها الثقة وفق برنامج نظري لا تملك من مقاليد تطبيقه سوى بقايا أوراق كتب عليها !!
انتهت ولاية الوزارة السابقة بعد أن تضاعف عدد المستوطنات مرات ومرات والتف ثعبان الجدار على رقبة المواطن والوطن ، وارتفعت نسبة البطالة ، وخيم الفقر على غالبية الشعب ، إنهيار شبه كامل للمؤسسة الأمنية وفراغ لخزينة الدولة العتيدة ، التي لم تكن إلا خاوية طوال عمرها سوى من فتات تبرعات ، وسقط ما حصلت عليه اليد من استجداء للآخرين ولم يسلم ذلك للأسف من أيادي المارقين وألسنة اللاحسين لمذابح الشعوب من تجار الوطنية والمزايدين باسم الوطن !! كان ذلك على المستوى الداخلي ، أما خارجيا فقد فقدت قضيتنا وهجها ، فتضاعف عدد الدول المعترفة بمغتصب أرضنا ، وتضاءل عدد الدول المتعاطفة مع قضيتنا وعدالتها ، سمحنا برعونتنا لأن تتجرأ العديد من الدول للاعتراف بدولة المغتصب ، وتنفض يدها من التزاماتها الدينية والقومية والتاريخية تجاه قضيتنا، متذرعين بقولهم ((نقبل بما يقبل به أخوتنا وقيادتهم )) قبلوا خيار الاعتراف بإسرائيل ولكنهم رفضوا خيارنا للمقاومة !! ، (( لأن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهراً أبقى )) كل المؤشرات كانت تومىء بالفشل الذريع ، والأمور تقاس بنتائجها.
جرت الانتخابات واتجه الشعب لخيار التغيير قالباً ظهر المجن لمن لم يتمكنوا من الوفاء بعهدهم ولم يستطيعوا تطبيق برنامجهم لظروف لا يحسدهم عليها أحد وأسباب شبعنا من تمحيصها والإشارة إليها ، اتجه الشعب إلى من رفعوا خيار المقاومة شعاراً لهم ففاز في الانتخابات من زايدوا على سابقيهم ، نقدوهم وعّروا مسارهم لا بل وعملوا على إفشالهم !! ، وهاهم الآن أمام موقف لا يحسدون على ما هم فيه من حال ، جعجعة بدون طحن ، فمسار المقاومة التي ألبسوا أنفسهم ثوبها ، لا أثر لها لأنهم أضعف من أن يمارسوا المقاومة بمفهومهم لها ، وقد عرفوا استحقاق كونهم في السلطة ومعنى الجلوس على كرسي الحكم !!
حقول من الألغام تحيط بهم داخلياً وخارجياً ، فما عليهم إلا أن يمارسوا السياسة بمفهومها الواقعي ، وقطع المسافة التي قطعها سابقيهم خلال أربعين ستة شهور على الأكثر ، وذلك ليتمكنوا من تحقيق توافق بين متطلبات الشعب من جهة ، ومتطلبات الأسرة الدولية في ظل اختلال معايير العدالة وسطوة أفكار القوة.
المؤشرات جد خطيرة ، والنتائج ستكون وخيمة وكارثية لن تبقي ولن تذر ، والويل كل الويل لمن لا يركب قطار التاريخ من محطاته ، فإذا لم تتوحد جهودنا قبل أن يبدأ أولمرت بتنفيذ برنامجه ، وإذا لم نعمل جاهدين على الخروج من هذا المنعطف التاريخي الخطر ، ستضيع الفرصة من أيدينا كما ضيّعت الصيف اللبن.
يا من علقنا عليهم آمالنا وقبلنا بكم قادة لمسيرتنا نحو التحرر عليكم الاتفاق فطريق نجاتكم ونجاة مركبنا يكمن في الوحدة الوطنية بمفهومها الشامل ، فاعملوا على ما يصب في مصلحة شعبكم ووطنكم باتجاه الخلاص خذوا بأيسر السبل وأسرعها لحل ضائقة من منحوكم ثقتهم ، وإلا فمانح الثقة قادر على سحبها ، عندها سيبقى الشعب ، وسيختار ما يناسبه ومن يصب في مصلحته. (( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون )) صدق الله العظيم - مفتاح 11/5/2006 -