حين يشح الطحين ولبن الأطفال والبنزين، وحين تنقطع رواتب الموظفين للشهر الثالث على التوالي، وحين تدخل المواجهة بين الفرقاء مرحلة تكسير العظام. ويطل شبح الحرب الأهلية في الأفق، فإن السؤال الذي يواجه حكومة حماس هو: كيف الخروج من المأزق؟

(1)

هذه القسمات التي ترسم معالم الكارثة وتصور الوجه المعتم للمشهد الفلسطيني، تحجب وجهاً آخر لم يسلط عليه الضوء، لأسباب ليست كلها بريئة. ذلك أنه في مواجهة محاولات التركيع والتجويع والإذلال، ثمة استجابة أخرى في الداخل اتسمت بالصمود والتحدي والمروءة. فلم يذكر أحد مثلا أن مجالس الآباء في مدارس “الخليل” قررت أن تتحدى الحصار، حيث اتفق أعضاؤها على تدبير رواتب المدرسين التي أوقفت، فجمعوا من بينهم أموالا اقرضوها لهم حتى تنفك الأزمة، وهي الفكرة التي اقتبستها بعض النقابات المهنية، للمهندسين والأطباء، التي قررت بدورها تقديم قروض لأعضائها، لسد احتياجاتهم المعيشية. وفي “ترمس عيا” قرب رام الله اتفق رجال الأعمال فيما بينهم على تقديم قروض لكل الموظفين من أبناء القرية. بل إن أحد رجال الأعمال، هو زهير الكتواني، تبرع بتغطية رواتب شهرين للموظفين في أهل بلدته “بتكسا” وهذا ما فعله آخرون لم يعلنوا عن أنفسهم في قرى أخرى.

إلى جانب ذلك فقد نشط كثيرون في تحقيق التكافل بين الأهالي، وفي جمع التبرعات لستر حاجة الذين انقطعت مواردهم، وهو ما حدث في نابلس ورام الله. كما أن عرب 48 الذين يقيمون داخل الكيان لم يقصروا في توصيل كميات كبيرة من المساعدات الغذائية والطبية إلى أهلهم في الضفة وغزة. وكان مثيرا للانتباه أن سبعة آلاف من المدرسين والمدرسات في غزة نظموا مسيرة توجهت إلى مقر رئيس الوزراء، أعلنوا خلالها مطالبتهم الحكومة بعدم التراجع عن موقفها، والتمسك باللاءات الثلاث التي أعلنتها (ضد الاعتراف ب “إسرائيل” وضد إلقاء سلاح المقاومة، وضد اتفاقات الاستسلام التي أضرت بالمصالح الوطنية الفلسطينية).

(2)

بطبيعة الحال، فإن ذلك لا يغير كثيرا من الصورة، ولكنه يخفف من حدتها فقط. ذلك أن أحداً لا ينكر أن معاناة الناس تضاعفت بعد الحصار “الإسرائيلي” والدولي الذي فرض على الضفة والقطاع، بعد تولي حكومة حماس للسلطة. وهو الحصار الذي أسهمت فيه أغلب الأنظمة العربية، وبعضها كان يطنطن إلى عهد قريب بمركزية القضية الفلسطينية قبل الدخول في بيت الطاعة الأمريكي.

ورغم البسالة التي أثبتها الشعب الفلسطيني وقدرته الهائلة على الصمود، إلا أن طاقة البشر لها حدود في الاحتمال. وإذا كانت الأغلبية قد صوتت لصالح حركة حماس، وهي تعلم أنها ستدفع ثمناً لقاء ذلك، إلا أن الجوع حين يضغط بأكثر من اللازم على أناس لم تتوقف معاناتهم تحت الاحتلال منذ اكثر من نصف قرن، فينبغي ألا نفاجأ إذا وجدنا بعضهم مال إلى التمرد والسخط. ولا يمكن أن نتجاهل أيضاً في هذا السياق الدور الذي تقوم به العناصر الفلسطينية المناوئة لحماس، التي نشطت بعد الانتخابات لإثبات فشل حكومتها وعجزها.

شاركت قبل أسبوعين في ندوة بالشارقة أقامتها “دار الخليج” حول الإصلاح في العالم العربي، كان الموضوع الفلسطيني من بين عناوينها. وعند التطرق إلى الوضع الراهن في الأراضي المحتلة ابدى الدكتور سليم الحص رئيس الوزراء اللبناني الأسبق قلقه إزاءه، وقال: عندما يجوع الناس فلا ينبغي ان نطالبهم بالدفاع عن المبادئ، ذلك أن الجوع كافر، حتى بالسياسة. ومما قاله الدكتور علي الجرباوي أستاذ القانون وعميد الحقوق بجامعة بيرزيت أن حكومة حماس أصبحت مطالبة الآن إما بالتنازل عن المبادئ أو عن الإجراءات، بمعنى أنها إما أن تتخلى عن مواقفها المبدئية إزاء “إسرائيل” أو تتنازل عن السلطة مكتفية بأغلبيتها في المجلس التشريعي.

ومما قاله الدكتور الجرباوي انه من الناحية الاستراتيجية فإن التجربة أثبتت أنه من المتعذر الجمع بين السلطة والمقاومة، وأن حماس أخطأت في حساباتها حين تصورت أن الخرائط الإقليمية والدولية يمكن أن تحتمل منها نشاطاً فاعلاً على الجبهتين . وهو ما أدركته الحركة في وقت لاحق، فامتنعت عن إطلاق رصاصة واحدة ضد الاحتلال منذ قررت أن تخوض الانتخابات التشريعية في بداية العام الحالي.

هذا التحليل وجدته يتطابق نسبياً مع رؤية للموضوع الفلسطيني طرحت في القاهرة في بداية شهر مايو الحالي، أثناء زيارة الدكتور رمضان عبدالله أمين حركة الجهاد الإسلامي مصحوبا بوفد من قيادة الحركة التي رفضت في البداية المشاركة في الانتخابات. وكانت خلاصة الرأي الذي سمعه الوفد من المسؤولين المصريين عن الملف الفلسطيني، أن دخول حماس للمعركة الانتخابية وتشكيلها الحكومة منفردة خطأ استراتيجي، ثبت أن السلبيات التي ترتب عليه أكثر من الإيجابيات وهو ما دعا الدكتور رمضان (أبو عبدالله) لأن يمازح محدثيه قائلا: أنتم “جهاديون” إذن!

(3)

أجريت اتصالا هاتفيا مطولا مع خالد مشعل (أبو الوليد) رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، ونقلت إليه هذه الآراء، خصوصا فكرة أن حماس الآن باتت أمام مفترق طرق: فإما أن تضحي بمبادئها، أو تضحي بالشعب الفلسطيني الذي يكاد صبره ينفد، أو تضحي بالسلطة والحكومة. وكانت ردوده على ما سمعه مني كما يلي:

ان حماس انتقدت في السابق حين لم تشارك في العملية الانتخابية، ولم تسلم من النقد حين قررت المشاركة. والإحجام والإقدام من جانب الحركة تما في ضوء حسابات وتقديرات معينة. وقد انبنى قرار المشاركة الأخيرة على أساس أن ثمة ثغرات في الوضع الفلسطيني يجب إصلاحها لتعزيز صمود الجبهة الداخلية، فضلا عن أن هناك تنازلات سياسية من جانب السلطة يتعين إيقافها.

ان حماس لم تسع إلى السلطة ولكنها هي التي سعت إليها، بل انها فوجئت بها، إذ حين صوتت الأغلبية لصالحها في الانتخابات، فكان يتعين علينا أن نمتثل لإرادة الجماهير ولا نخذلها، وما كان لنا أن نعتذر عن تولي السلطة، لأن من حق الناس حينئذ أن يقولوا لنا إذا لم تكونوا على قدر المسؤولية، فلماذا شاركتم في الانتخابات أصلا.

اننا سعينا جاهدين منذ اللحظة الأولى إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية وإلى إشراك مختلف القوى السياسية معنا، ولكن الآخرين هم الذين رفضوا لأسباب بعضها مفتعل وغير جاد. ولم يعد سراً أن البعض تعمد ذلك لكي تحشر حماس وحدها في الزاوية، الأمر الذي كان فيه من الكيد السياسي اكثر مما فيه من إدراك المصلحة الوطنية.

ليس دقيقا أن حماس أوقفت المقاومة، ولكنها فقط ملتزمة بالتهدئة التي وقعت عليها قبل اكثر من عام. وإشهارها للاءات الثلاث ورفضها التراجع أمام الضغوط القوية التي تواجهها من كل صوب، دليل على التزامها بخط المقاومة، الذي هو مصدر شرعيتها الأساسي.

أوافق على صعوبة الجمع بين السلطة والمقاومة في ظل الخرائط المحلية والإقليمية الراهنة، لكننا لم نيأس تماما من تحقيق ذلك الهدف، خصوصا في ظل إدراكنا لحقيقة أن للمقاومة صوراً شتى، وإذا كان حمل السلاح هو حدها الأقصى، إلا أننا نعتبر أن وقف التنازلات مرتبة مهمة في المقاومة، كما أن إصلاح الوضع الداخلي تأمين لظهر المقاومة.

الخيار محسوم في مسألة التضحيات، ذلك أنه إذا كان على حماس أن تختار بين التضحية بمبادئها أو بالشعب الفلسطيني أو بالسلطة، فالمسألة محسومة ولا تحتاج إلى تفكير. فهي متمسكة كما هو معلوم بموقفها المبدئي. وبالقطع فإنها ترفض أن تكون سببا في زيادة معاناة الشعب الفلسطيني. وأسهل شيء أن تتنازل عن السلطة التي لم تحرص عليها أو تتطلع إليها يوما ما. لكن حماس حتى الآن على الأقل لا ترى أن هذه الخيارات الوحيدة، لأن لديها من الشواهد التي تتبلور في هدوء الآن ما يدل على أنها تستطيع أن تتغلب على الحصار وتكسر طوقه، بدلا عن أن يكون هو أداة لكسر الإرادة الفلسطينية.

(4)

ثمة اقتراح محدد للدكتور علي الجرباوي للخروج من المأزق يتلخص فيما يلي:

تقدم حكومة حماس استقالتها إلى رئيس السلطة أبو مازن، مشترطة عليه أن يشكل حكومة مستقلة من الفنيين المستقلين، وليس من حركة فتح التي خسرت المعركة الانتخابية، وفي الوقت ذاته يتولى المجلس التشريعي الذي تتمتع فيه حماس بأغلبية كبيرة مراقبة عمل الحكومة ومنحها الثقة طالما التزمت بمنهج الإصلاح المطلوب. يعزز هذه الفكرة أمران، الأول أن حركة حماس وإن رفضت الاعتراف ب “إسرائيل”، إلا أنها لم تمانع في أن يتواصل معها رموز السلطة أو الإدارات الرسمية المعنية بالشأن اليومي. وإذا كانت قد وافقت على ذلك، فلماذا لا تترك الأمر للحكومة تؤدي هذه المهمة بالتعاون مع السلطة، وتنفض يدها من المسألة، الأمر الثاني والأهم أن خروج حماس من الحكومة سيبطل ذريعة وقف المساعدات المالية لها. ومن ثم سيفتح الباب لاستئنافها، وربما أدى ذلك إلى تفكيك التحالف الأمريكي الأوروبي في هذا الصدد .

للاقتراح شق آخر يدعو للاتفاق بين أبو مازن ورئيس الحكومة المستقيلة على تحديد مهلة زمنية لحسم ثلاث قضايا: أولاها الحوار الوطني بين مختلف المنظمات السياسية. وثانيتها إصلاح منظمة التحرير وتمثيل حماس والجهاد فيها. أما ثالثتها فهي بحث مصير السلطة في ضوء مشروع اولمرت الذي يقضي برسم الحدود “الإسرائيلية” من جانب واحد قبل سنة ،2008 بعد ضم 58% من أراضي الضفة إلى “إسرائيل” وإدخالها وراء السور. وهو المشروع الذي من شأنه استحالة إقامة الدولة الفلسطينية، وتحويل فكرتها إلى مسخ. وفي رأي الدكتور الجرباوي أن حل السلطة الفلسطينية والمطالبة بإعادة احتلال غزة والضفة قد يكون مخرجا مرشحا للخروج من ذلك المصير اليائس.

يعيب هذا الاقتراح ثلاثة أمور، أولها أنه قد يستغل في الترويج لانطباع ظالم مؤداه أن حكومة حماس لم تنجح في مهمتها وأن الجماهير أخطأت حين أولتها ثقتها. ثانيها أنه من الناحية العملية لا يوجد مستقلون بين النخبة الفلسطينية التي تعيش في محيط مسيس بالكامل، الناس فيه إما منخرطون في تنظيمات أو هواها موزع على ذات التنظيمات، الأمر الذي يعني أن الكلام عن حكومة تكنوقراط مستقلة هو افتراض نظري صعب التحقيق. أما الأمر الثالث فهو أن أبو مازن الذي ضعف موقفه كثيراً في أوساط فتح بعد ظهور نتائج الانتخابات التشريعية، ولا يزل محاطاً بفريق لم يتوقف عن الكيد لحماس، لن يستجيب لفكرة تشكيل حكومة مستقلين، وإنما سيأتي في أحسن الفروض بعناصر فتحاوية الهوى. وإذا لم تنل تلك الحكومة ثقة المجلس التشريعي، فإنه في هذه الحالة سيقرر حله والدعوة إلى إجراء انتخابات جديدة تستخدم فيها مختلف الوسائل بما فيها التزوير لضمان فوز مرشحي فتح. وهذا هو السيناريو الذي يراهن عليه ويعمل لأجله فريق أبو مازن الآن.

ثمة سيناريو آخر للخروج من المأزق من خلال محاولة تشكيل حكومة وحدة وطنية، تتزايد المطالبة بها من جانب الأسرى المثقفين ورجال الأعمال وبعض الشخصيات العامة. لكنه لا يبدو بدوره حلا متاحا، سواء لأن أبو مازن وفريقه لا يريدون مشاركة مع حماس ويراهنون على إفشال حكومتها، أو لأن وجود حماس في تلك الحكومة سيظل حائلا من وجهة النظر “الإسرائيلية” والأمريكية دون تقديم المساعدات المالية لها.

في كل الأحوال فإن الوضع لن يظل مجمداً لأجل طويل. وإذا لم تتحقق الآمال التي تتوقعها حماس، وإزاء استبعاد السيناريوهات المعقولة فإن سيناريو الفوضى سيفرض نفسه، وسيقع الانفجار لا ريب، لكن السؤال الذي يتعين التحسب له والتفكير فيه طويلا هو : هل ستتوجه مشاعر الغضب في هذه الحالة لتصفية حسابات فتح وحماس، أم أنها ستتوجه ضد الاحتلال الذي هو أصل الداء ومصدر البلاء وأرجو أن يكذب حدسي في أن سيناريو الانفجار هو المرشح لمستقبل الأرض المحتلة ربنا يستر! - الخليح الاماراتية 30/5/2006 -