فرق كبير قائم بين أن تفرض حماس نفسها على السياسة وعلى العالم كله من خلال المقاومة ومن خلال كونها حركة مقاومة، وبين ان تدخل عالم السياسة ولو من أوسع أبوابه وأكثرها شرعية وذلك بالانتخاب بوضعها الحالي كتشكيلة حكومية.
وبداية، فليس طلب الحكم هو مسألة غير شرعية لحركة مقاومة تهدف الى إظهار أسلوبها المختلف في الحكم وادارة المؤسسات والاجهزة ببرنامج عمل يهدف الى تنظيف هذه الاجهزة والمؤسسات من استشراء الفساد وظواهر اهدار المال العام واستغلال المناصب وقلة الانتاجية، وما الى ذلك. انه أمر لا غبار عليه ان ترى حركة مناضلة منظمة سياسيا انها أهل لتقديم انجازات أفضل في مجال المجتمع والثقافة والاقتصاد. وليس أمرا غير شرعي بالقطع ان ترى حماس نفسها أنها خير من سيمثل آمال وطموحات الشعب الفلسطيني وانها ستكون الأكثر صدقية وأمانة وتعبيرا في هذا التمثيل أمام العالم.
ويمكن المضي هكذا مع حماس في توجهها للحكم وطلبها للنجاح فيه، حتى ولو كانت تنوي طرح هدنة مع “اسرائيل” وحتى لو أرادت التفاوض (ومن موقع القوة) ومن موقع المرجعية المختلفة على حقوق الشعب الفلسطيني. غير ان الخطأ ولب المسألة هو ان هذا كله قد يحمل أو يحتم ازدواجية من حماس وقد يعني كذلك اقتناصا مستحيلا للفرص وذلك في ظل الظرف السياسي الفلسطيني والعربي والدولي كذلك.
ببساطة، لم يكن أحد في المستويات الثلاثة المذكورة ليترك حماس تحقق ما سيعتبر في النهاية يوتوبيا اسلامية ناجحة على الأرض من دون نسيان مغزى أنها ذات أساس نضالي كذلك. حماس والمجتمع الفلسطيني قادران نظريا على تحقيق ذلك لولا الواقع السياسي الشديد التعويق لتجربة كهذه.
فهل كانت حماس قد درست واقعها على الأرض وامكانية الانجاز فيه؟ وهل أخذت العبر من إجهاض كل النماذج الاسلامية والقومية التي حاولت بناء أساسات قوة عند استلامها الحكم؟ أم أنها اعتقدت ان مفتاحها الذهبي وعصاها السحرية للمرور هي الديمقراطية التي جاءت عن طريقها، واعتقدت ان الغرب ومعه “اسرائيل” سيخضعان لوصولها الى الحكم لهذا السبب ويقبلان بهذا الوصول وبتبعاته؟
الأرجح أن حماس قد بنت دخولها حقل السياسة والحكم على هذا الاعتقاد الى حد كبير وكذلك على جهودها في “تطمين” الحكومات العربية والغرب ايضا. ولكن حماس كانت قد دخلت بهذا واقع الازدواج. هذا إلى الأفخاخ والشراك التي كانت بانتظارها في الحقل السياسي والتي تستهدف استنزافها شعبيا. كما تستهدف تغييرها والخروج منها بحماس أخرى توقع على الاعتراف ب “إسرائيل” وتقبل ما يسمى ب “قرارات الشرعية الدولية”.
وها هي سلسلة التعويقات ومحاولات تطويع حماس وتكبيلها وحصرها في الزاوية تنتهي بتطور جديد. وهذا التطور تستخدم فيه “الديمقراطية” كسلاح يرتد على حماس ويعيد صياغة معنى التفويض الشعبي مرة أخرى لمصلحة الرئاسة الفلسطينية.
الشرك الجديد أمام حماس هو وثيقة الوفاق الوطني التي أطلقها الاسرى يوم 15 مايو/أيار والتقطها الرئيس ابو مازن ليعطي حماس مهلة 10 أيام للموافقة عليها كأساس للحوار الوطني والتهديد بعرضها للاستفتاء الشعبي خلال اربعين يوما.
تحوي الوثيقة ما ظلت حماس ترفضه وما رفضته في المبادرة العربية. وهي تخير أن تقبل طائعة بمحتوى الوثيقة باعتبار ان الأسرى لا يمكن المزايدة على وطنيتهم وان حماس لا يمكن ان ترفض وثيقتها كما ان رفضها هو معارضة للوحدة الوطنية.
هكذا قال أبو مازن ضاغطا على حماس. أما إن رفضت حماس الموافقة على الوثيقة ورفضت ما قدم لها فيها من “مخرج” و”وسيلة لحفظ ماء الوجه” فإنها تعرض للاستفتاء. وخطاب الاستفتاء هو ان حماس يجب الا ترفضه “من ناحية ديمقراطية”، كما انه هو ذاته يمكن ان يوفر لها مخرجا بحيث انه لو صوت الشعب الفلسطيني مع الوثيقة يمكن لحماس ان تعلن قبول تصويت شعبها وتبدي تحفظها هي. وكل ذلك بالطبع كي يمرر قبول حماس بالتصويت الذي يرمي مقترحوه الى الحصول على تفويض شعبي لهم في تنازلاتهم ويرمون كذلك الى احداث انقلاب على نتيجة الانتخابات الفلسطينية.
“وثيقة الاسرى” يتبين الآن انها ليست وثيقة لكل الأسرى وانما لأسرى معينين. وهذا ما يزيد من الشك في الغرض من استخدامها.
حماس صامدة ولا تبدي أي استعداد للتنازل أمام هذا الطرح الجديد، غير ان جعبة الآخرين تبقى مليئة بما يحاك ضدها. وإن وجود حماس في الموقع الخطأ يجعلها رهينة لضربات الآخرين. - الخليج الاماراتية 31/5/2006 -