زعيم الإيديولوجيا في حركة “حماس” خالد مشعل، بدأ يتحدث بلغة السياسة.

تطور جيد. ففي النهاية ليس بالأيديولوجيا وحدها يحيا الإنسان. والقضية الفلسطينية كما اكتشفت “حماس الخارج” بعد “حماس الداخل” ليست فقط قضية حق، بل هي أيضاً قضية دولية إقليمية معقَدة لا يشَكل فيها “صمود الخبز والزيتون” العامل الحاسم.

خالد مشعل هو الآن التعبير الأمثل عن هذا التطور البراغماتي في هذا الفرع الفلسطيني من تنظيم “الإخوان المسلمين”. فهو يفاوض بنفسه حول إطلاق الجندي “الإسرائيلي”. وهو يؤكد قبول حل الدولتين الفلسطينية و”الإسرائيلية”. لا بل أكثر: إنه بات يراهن على تطورات دولية خلال الأشهر الستة المقبلة في اتجاه إقامة دولة فلسطينية.

هذه التطورات لم تكن واردة بمثل هذا الوضوح قبل وصول “حماس” إلى السلطة في رام الله . وهي دليل إضافي على أن هذه الحركة، فلسطينية أولاً وإسلامية ثانياً، وبأنها قادرة على التأقلم مع الظروف الخاصة للقضية الفلسطينية.

تطور جيد،إذاً، لكن إلى أين؟

الكثيرون يخشون الآن مصيراً “فتحاوياً” ل”حماس”. وهذه ليست مجرد تخوفات نفسية. فقبل 40 عاماً كانت “فتح” تقف في النقطة ذاتها التي تقف فيها الآن “حماس”. لكنها على مدار هذه العقود الأربعة كانت تنحدر بالتدريج من كونها حركة ثورية تطالب بحق، إلى حركة سياسية تطالب بعقار. وبما أن العقارات قابلة للمساومة والأخذ والرد، كان ممكناً ل”فتح” أن تقبل اتفاقات أوسلو بصفتها فن الممكن الوحيد في تلك المرحلة.

بيد أن هذه النقلة لم تكن هي عقب أخيل الذي شل “فتح”. ففي النهاية، الحلول العقارية مؤقتة دوماً، ويمكن تجاوزها بالعودة إلى سياسات الحق. النقطة القاتلة كمنت في مكان آخر: الوهم الذي طورته “فتح” بأن الوطنية الفلسطينية وحدها، وبقرارها المستقل وحده، قادرة على تحقيق النصر للشعب الفلسطيني.

لماذا كانت هذه نقطة قاتلة؟

لسببين رئيسيين:

الاول، أن “فتح” ظنت أن في وسعها تقليد المشروع الصهيوني بحذافيره لإقامة الوطن القومي، لكنها نسيت أن مثل هذا المشروع يتطلب اندراج كل عرب ومسلمي العالم فيه، كما اندرج يهود العالم في مشروع هرتزل.

والثاني، أن المبالغة في استنفار الهوية الوطنية الفلسطينية مع إغفال مقوماتها العربية والإسلامية، أسفر عن شوفينية شجعت الأنظمة العربية على ترك الحمل الفلسطيني وحيداً داخل القفص مع الذئبين الأمريكي و”الإسرائيلي”.

وحصيلة هذين المعطيين واضحة للعيان الآن.

“حماس” تبدو أكثر قدرة على تجنب هذا المصير الفتحاوي، بسبب أوراق اعتمادها الإسلامية القوية، وأيضاً بسبب حرصها على وصل ما انقطع من صلات بين الوطنية الفلسطينية وبين عناصر الهوية العربية والإسلامية. هذا إضافة إلى إفادتها من الانتشار العالمي لحركة “الأخوان المسلمين”.

لكن هذه الجهوزية المبدئية وحدها قد لا تكون كافية. ثمة ضرورة ملحة لقرن الاستعدادات النظرية ببرامج العمل الفعلية التي يمكن أن تمكن “حماس” من القفز فوق الأفخاخ المميتة التي وقعت فيها “فتح”.

ما هذه البرامج؟ ما طبيعتها؟ - الخليج الاماراتية 28/22/2006 -