رفعت حركة حماس شـعارها في الانتخابات للمجـلس التشـريعي وقالت : " عـن نفسـها " ( الإصلاح والتغيير ) . وهذا الشعار في حد ذاته شعار طيب وجميل إذا ما طبق فعلاً على أرض الواقع ، إذا وضعت أثناء تنفيذه على الأرض كل الشروط الوطنية والإسلامية لتحقيقه وجعله لا مجرد إعلان أو شعار انتخابي . بل برنامج عمل قابل للتطبيق على أرض الواقع .
الأجمل والأروع أن يقترن القول بالعمل حتى تتأكد المصداقية وألا يكون رفع الشعار مجرد هدف للوصول إلى أكبر عدد من كراسي البرلمان . والمشاهد والمتتبع للأحداث عبر تلك الستة أشهر يلاحظ الآتي :
أولاً : على المستوى السياسي :
1- على مستوى العلاقات السياسية الداخلية هناك حوارات ولقاءات واتفاقات واخفاقات وتهرب من المطلب الوطني الداعي لتوحيد وجمع الصف الفلسطيني في حكومة وحدة وطنية وكأنك تعيش في حوار الطرشان .
اليوم نتفق على أن حكومة الوحدة الوطنية تشكل من كل الفئات والباب مفتوح للجميع . ولكن ضمن جلباب حركة حماس وضمن برنامج حركة حماس ثم تشكل الحكومة من حركة حماس ولم يشارك فيها أي فصيل فلسطيني .
ثم يستمر الحوار ولقاءات الفعاليات الفلسطينية ثم تأتينا وثيقة الأسرى والكل يعلن في البداية موافقته عليها ثم تبدأ حكومة حماس بالتنصل من تلك الوثيقة ويبدأ الشد والجذب بين قيادات الخارج والداخل .
ثم يلتم الشمل بعد مبادرة الرئيس محمود عباس ويتم الحوار ويعلن أن هناك استفتاء بعد 60 يوماً وبعد أن بلغ الحوار أشده ، طالب الأخوة في حماس بضرورة نقل الحوار إلى قطاع غزة – يعني نحن في غزة الأكثر تأثيراً في الساحة الحمساوية . ونحن الذين نستطيع أن نؤثر سلباً أو إيجاباً في تلك المحادثات وفي تلك اللقاءات .
ولقد استاج الرئيس محمود عباس لذلك من منطق أنه رئيس لكل الشعب الفلسطيني وبصفته رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية ، فهو ومن موقع المسؤولية الوطنية رئيس ومسؤول عن كل الفصائل وكافة أطياف العمل الفلسطيني وبدأت المفاوضات والمداولات والمنازعات والإشتراطات مع موجود القوة التنفيذية التي شكلها السيد سعيد صيام وزير الداخلية والتي هي بمثابة قوة حماية إضافية لحركة حماس وقوة حماية للوزراء والوزارات وقوة مواجهة للأمن الوطني والشرطة ومن يقول غير ذلك فهو يجانب الصواب ولا يقول الحقيقة وفعلاً تم اعتماد هذه القوة ووقع القرار المالي الخاص بها من قبل الرئيس محمود عباس .
وحتى هذه اللحظة نسمع من يقول أننا توصلنا إلى اتفاق وهناك من يقول أن الوقت مبكراً للوصول إلى اتفاق نهائي لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية .
2- على الصعيد السياسي الخارجي :
أ- على المستوى العربي : هناك فتور واضح في العلاقات خاصة وأن حكومة حماس لم تقبل بالمبادرة العربية وكذلك للاختلاف معها حول أسلوب إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي .
ب-على الصعيد الدولي من المعروف أن هناك علاقات وتفاهمات استطاعت منظمة التحرير الفلسطينية اقامتها مع دول العالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه عبر نضالات استمرت لأكثر من أربعين سنة وهناك اتفاقات وقعتها م.ت.ف وهناك اعتراف للأمم المتحدة بفلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة وقد استطاعت م.ت.ف أن تتفهم طبيعة المرحلة الراهنة وكسبت تعاطف الكثير من دول العالم وبمجيئ حركة حماس وعدم خبرتها سابقا بالعمل السياسي على الصعيد العالمي وبعد زيارات قامت بها وفود من حماس بعد النتخابات سواء الى تركيا أو روسيا أو بعض الدول العربية والإسلامية فلا أعتقد أنهم سمعوا من هذه الدول وخاصة روسيا أكثر مما قيل لـ م.ت.ف في السابق وأن الدولة التي يمكن أن تكون للفلسطينيين هي في حدود الرابع من حزيران 1967 م .
ثانياً : الوضع الاقتصادي :
لقد عاشت الاراضي الفلسطينية سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية وضعا اقتصاديا خانقا أثر على كل أبناء الشعب الفلسطيني فسياسة الحصار والبطش والتدمير الاسرائيلية طالت كل شيء البشر والشجر والحجر ونحن نفهم أن الطرف الاسرائيلي يسعى دائما لإرباك الساحة الفلسطينية ويعمل على تأزيم الوضع ويسعى لبث روح الفتنة والاقتتال بين الفلسطينيين .
وكان من الأجدى أن نفكر وبصوت عالي للبحث عن مخرج يخلصنا من هذا الوضع ، لا أن نبدأ بكيل الاتهامات لهذا الطرف أو ذاك .
أ- لقد عانى عشرات الالاف من العمال الذين كانوا يعملون داخل الخط الخضر من البطالة رغم أن الحكومات السابقة كانت تقدم ولو جزء بسيط كتعويض مالي تحت بند البطالة ما بين فترة وأخرى .
ب- كان هناك عدة آلاف من العمال يعملون فيما كان يسمى المنطقة الصناعية في إيرز والتي أغلقت وضربت وأصبح هؤلاء العمال بلا دخل وانضموا الى فريق العاطلين عن العمل .
ج- عدم تمكن الحكومة من صرف الرواتب ولستة أشهر لموظفي الدولة في الوزارات وفي الأجهزة الأمنية والتي نتج عنها في الأونة الأخيرة الإضراب الذي نلاحظه هذه الأيام .
د-لقد مارست اسرائيل سياسة اغلاق المعابر التجارية على حدود قطاع غزة مما أثر سلبا على التجار والمستثمرين وانعكس أثر ذلك على مجمل الحالة الاقتصادية الفلسطينية أضف إلى ذلك اغلاق معبر رفح الحدودي ولمدة طويلة أضرت بالمواطن الفلسطيني .
ثالثا : الوضع الاجتماعي :
1-لم نكد ننهي فترة الانتفاضة الأولى حتى جاءت السلطة الوطنية وللأسف الشديد لم نجد من يدرس وبعمق التأثيرات السلبية على المجتمع الفلسطيني التي أحدثتها الانتفاضة الاولى . مع قناعتي بأن هناك جوانب ايجابية كثيرة ولكنه وللأسف الشديد فالجوانب السلبية أصبحت بعد سنوات موروث اجتماعي فرض على العلاقات الاجتماعية الفلسطينية وارخى بضلاله القاتمة على الوضع الاجتماعي الفلسطيني .
2- فرح المواطنون بقدوم السلطة الوطنية إلا أن ما حدث من ممارسات سلبية للبعض أساء للعمل الوطني وبالذات لحركة فتح وأطلت علينا الانتفاضة الثانية ولم توفق في ذلك الوقت في تصحيح الأوضاع الفلسطينية بالشكل الذي يرضي أبناء شعبنا .
3-جاءت الانتفاضة الثانية وبدأت بداية طيبة واهتز العالم ووقف الى جانبنا وضد الهجمة الصهيونية الشرسة على أطفال عزل ولكنه وبعد تطور الأحداث في الانتفاضة واللجوء الى استخدام السلاح وخاصة العمليات الاستشهادية داخل فلسطين المحتلة عام 1948 م وقف العالم كله الى جانب خصمنا واتهمنا بالارهاب وهذه الانتفاضة أفرزت ثقافة جديدة هي ثقافة الزرعنة والبلطجة ورفع السلاح في وجه أي شخص يجد نفسه مضطرا لقول كلمة الحق وهو وحظه إن قتل أو لم يقتل .
4- وفاة الرئيس أبو عمار ثم الانتخابات الرئاسية للأخ أبو مازن ومن ثم اتخابات المجلس التشريعي وفوز حركة حماس وتشكيلها للوزارة الحالية فبدلا من ان تقوم حركة حماس بالاصلاح والتغيير الذي رفعته شعارا لها بكل أسف قامت بالاقصاء والاحلال ذلك أن عينت العديد ممن لم يحالفهم الحظ في انتخابات المجلس التشريعي من أعضاء حركة حماس وكذلك عينت وكلاء وزارات لم يحالفهم الحظ في انتخابات التشريعي وبدأت ترقي أبناء حماس الموجودين في الوزارات وملأت كل الفراغات خاصة فراغات الأخوة الذين أحيلوا للتقاعد وهذا ان دل على شيء إنما يدل على سعي حركة حماس للاستحواذ على السلطة وأن العملية لم تكن عملية لا تحرير من البحر الى النهر ولا عملية اصلاح وتغيير ، وأن ما مارسته حركة حماس في هذا الجانب هو أسوء مما مارسته حركة فتح عندما كانت في السلطة .
أردت من تقديمي لهذه السطور أن أقول للجميع نحن الان أمام مفترق صعب وأمام مسئولية تاريخية لن يرحمنا أحد ولن يترحم علينا أحد إن لم نغلب المصلحة الوطنية على مصلحة الأجندة الحزبية الضيقة .
لقد جرب الأخوة في حماس وجودهم في المعارضة ولم يدخروا جهدا فيها ولا وسيلة طيبة أو غير طيبة إلا مارسوها ضد الحكومات السابقة والان جربوا وخلال ستة أشهر كرسي الحكم أو خازوق السلطة ومدى فداحة المسؤولية والتي تحتاج كما يقال كل جهد عقلي وعلمي ومعنوي قبل جهد العضلات والفتوات فالحكم له قواعد وضوابطه وأركانه وعوامل بقاءه إن أحسن الاداء وتوفـرت النية الصادقة وتضافرت كل الجهود المخلصة لتحقيق ما يصبوا إليه الشعب الفلسطيني .
وعليه فإن الفرصة سانحة أمام الأخوة في حماس ومن غير مكابرة أن يوافقوا على حكومة وحدة وطنية تجمع كل أطياف العمل السياسي الوطني والاسلامي الفلسطيني من أجل الخروج من هذا المأزق . وهذا لن يضر حركة حماس بل سيسجل لها أنها خرجت من شرنقتها وأقبلت على العمل الفلسطيني الموحد والذي فيه مصلحة الشعب الفلسطيني والذي نتمسك فيه جميعا للثوابت الفلسطينية التي لم ولن نفرط فيها أبدا وسنبقى بعون الله متمسكين بها الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا . - مفتاح 11/9/2006 -