الذي يعرف قطاع غزة أو عاش في أحضانه أيام الطفولة يعرف أن هذا القطاع كان مليئاً بالأشجار والمزارع والحقول ، وهذه في حد ذاتها تمثل الأوكسجين النقي والذي كان يتنفسه أبناء قطاع غزة بعيداً عن جميع عوامل تلوث البيئة . فرغم الفقر في السابق إلا أن الأمراض كانت قليلة ونادرة .

وأما المشاهد لحال القطاع فعليه أن يدق ناقوس الخطر ويحذر من كارثة بيئية قادمة أو مخزونة قابلة للإنطلاق والفتك بأبناء هذا القطاع بشراً وشجراً وحجراً وحتى حيوانات .

وأرجع هذه الكارثة للأسباب التالية :

1- مخلفات المستوطنات الإسرائيلية : فلقـد تركت قوات الاحتلال ركام المسـتوطنات ، ولم تقـم بإزالته ونقله إلى أماكن بعيدة خارج القطـاع ، ومخلفات هذه المباني المدمرة إن تركت مكانها فإنها تسبب تلوث التربة في قطاع غزة . وإن دفنت في البحر لعمل حاجز مائي فإن ضررها سينتقل إلى الثروة السمكية .. وهكذا .

2- مخلفات القمامة : تزداد القمامة يوماً بعد يوم ، وهذا سيؤثر سلباً على البيئة وإنه إن لم يعالج موضوع القمامة ضمن أسس عملية للتخلص منها ، وإعادة معالجتها واستخـدام الأجهزة العلمية المتطورة في ذلك ، حيث إن لم يتم ذلك وبقي الأمر باستخدام الطرق البدائية والقديمة بحرقها مثلاً فإن هذا سيؤدي خلال الفترة القادمة إلى مصائب كبيرة جداً تؤثر على كل شيء بقطاع غزة .

3- مخلفات الصرف الصحي : من الملاحظ أن قطاع غزة ذو مساحة قليلة جداً ، وأن جزءاً كبيراً من أراضيه خاصة المنطقة الواقعة غرب مدينة رفح ومدينة خانيونس وحتى دير البلح هذه أرض سوافي رملية ، مساحتها كبيرة وتخترقها المياه بسرعة هائلة لتستقر في داخلها . وهذه المنطقة تمثل مخزون مياه جوفي عذب تسرقه إسرائيل .

فإذا ما وصلت مياه الصرف الصحي لها ، فإن هذا سيكون فيه خطورة على كل كائن حي بعد تلوث هذه المياه ، وعليه لا بد من أخذ الحيطة والحذر في معالجة مياه الصرف الصحي وحتى لا تضر بالمخزون الجوفي للمياه العذبة .

4- الإستخدام غير المنظم للمياه : للأسف لا توجد ضوابط لاستخدام المياه في قطاع غزة . فهناك الآبار التي تشرف عليها البلديات ، وهناك الآبار الموجودة في المزارع والحقول ، وهناك الآبار التي كانت تستخدم في المستوطنات وهناك من قام وحفر ارتوازيات في داخل حوش منزله دون أخذ تصريح مستغلا الظروف الحالية من فوضى وفلتان أمني وعدم متابعة أو محاسبة ، فالكل أخذ يتبارى في حفر الآبار الجوفية . وهذا في حد ذاته سوف يوصل قطاع غزة إلى نضوب مخزون المياه في وقت قريب وعندها ستحل الكارثة المائية لا قدر الله .

5- المخلفات والمواد السامة الإسرائيلية : قامت إسرائيل وخلال الأعوام الماضية وفي مواسم الأمطار بالتخلص من كثير من النفايات والمواد المحظورة وألقتها في مجاري المياه الموصلة لقطاع غزة وحدث هذا بشكل واضح في شتاء عام 2005 م حيث ظهر ذلك جلياً في وادي غزة وكذلك في مناطق شرق وشمال قطاع غزة وقد أظهرت ذلك شبكات التلفزيون ، ومر ذلك الأمر وكأن شيئاً لم يكن . وهذا الذي حدث سوف تكون له نتائج سلبية في القريب العاجل سواء على جودة التربة الزراعية بأن تصبح غير مؤهله للزراعة ، أو أن يمتص المحصول هذه السموم والتي ستقتل الإنسان ، وقد تظهر في الأجنة في بطون الامهات مما ينتج عنه تشوهات وعاهات سيعاني منها الأطفال في الأجيال القادمة .

6- الاستخدام المفرط لقذائف المدفعية والدبابات صباح مساء في قطاع غزة والكثير أو أغلب هذه القذائف تطلق بدون وجود عمليات عسكرية وخاصة في المناطق المحاذية لخط الهدنة وهذه المناطق أراضي زراعية خصبة ، ولقد كثرت الأقاويل بأن هذه المقذوفات قد تحتوي على اشعاعات وما إلى ذلك . أي أنها تؤثر على التربة الزراعية وكذلك على الانسان والحيوان مستقبلاً .

7- استمرار تحليق الطائرات الحربية المقاتلة بمختلف أنواعها وعملية اختراق حاجز الصوت وما يمثله من خطورة على الانسان ، وعلى المباني وتأثيره على الانسان وخاصة الأطفال والبنات والسيدات بشكل خاص والذي ظهرت بعض آثاره على حالات مرضية وعصبية لدى العديد من الأشخاص في قطاع غزة علاوة على تلوث الجو بعادم هذه الطائرات وكذلك ما يسببه من خلخلة الهواء . كل هذا يمثل خطراً بيئياً قاتلا ولولا أن تأثير هكذا أعمال تتعدى نطاق قطاع غزة لما أوقفته القوات الاسرائيلية ، ذلك أن الاسرائيليين القريبين من قطاع غزة اشتكوا من النتائج السلبية والضارة عليهم .

8- استخدام القنابل الشديدة التفجير في تدمير المنازل أو الأنفاق . وهذه القنابل عند تفجيرها تؤثر على معظم المباني القريبة وتصل إلى مساحة تزيد على الكيلومتراً أو أكثر من موقع التفجير سواء من الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب فنجد أن جميع المباني في دائرة نصف قطرها كليو متر أو يزيد تهتز وكأنها تتعرض لزلزال قوي ، ومع التكرار فإن هذا في المستقبل يؤثر على اساسات تلك المباني ويعرضها للسقوط وقتل من بداخلها لاقل اهتزاز أو تعرض لخطر بسيط .

9- تجريف الأراضي الزراعية من قبل قوات الاحتلال : عمدت القوات الاسرائيلية ومن باب الانتقام من رجال المقاومة وكذلك من أبناء الشعب الفلسطيني إلى تجريف العديد من الأراضي الزراعية وكذلك الأشجار المثمرة والمعمرة مثل أشجار الزيتون والحمضيات والنخيل وما إلى ذلك . وهذا يؤثر على الأوكسجين النقي المطلوب للحياة .

10- هدم المنازل ومخلفاتها : ما قامت به اسرائيل من هدم للمنازل على الشريط الحدودي في رفح وما قامت به من هدم للعديد من المباني والمنشاءات وما خلفه من دمار . ونظراً لضيق مساحة القطاع وعدم وجود أماكن مناسبة للتخلص من هذه المخلفات فإن هذه تؤثر سلباً على البيئة .

11- منذ أن دخلت السلطة عام 1994 م وحتى الآن نمت وزادت غابات الاسمنت المسلح من العمائر على حساب الأراضي الزراعية والتي كانت تمثل رئة القطاع ومصدر الأوكسجين .

وكل هذه الأسباب وأسباب أخرى كثيرة أثرت وسوف تؤثر على تدهور البيئة في قطاع غزة ... فهل سيفيق المسئولون سواء في الحكومة أو في جهات الاختصاص الرسمية أو في المؤسسات الشعبية والمدنية . وكذلك السلوك السلبي للأفراد والجماعات من أجل انقاذ قطاع غزة من الكارثة البيئية القادمة .

هذه صرخة – وأملي ألا تكون صرخة في صحراء التيه . والله أسأل أن يحمي قطاع غزة من تلك الكارثة . والله الموفق ... - مفتاح 13/9/2006 -