ليس ثمة من نهاية وشيكة للحراك الحزبي في إسرائيل، والمترتب على نتائج وتداعيات حربها السادسة على لبنان...فمع كل يوم يمر، يتوالى سقوط جدران الثقة بالطبقة السياسية الحاكمة، وتحديدا من حزبي العمل والليكود، والمؤسسات التي ظلت موضع ثقة تاريخيا (الجيش)، واستتباعا بالمستقبل والوجود.

وفقا لأحدث الاستطلاعات (أمس)، انهارت شعبية إيهود أولمرت كرئيس أكثر ملاءمة للوزراء إلى 7 بالمائة فقط، تتقدمه قائمة طويلة من الأسماء (نتنياهو: 27 بالمائة، أفيغدور ليبرمان 15 في المائة، تسيبي لفني 14 في المائة، شمعون بيرس، 12 في المائة)، وعلى خط مواز، تراجعت شعبية كاديما إلى أقل من النصف، إذ رشحه الاستطلاع المذكور لخسارة 15 مقعدا من أصل 29 مقعد يحظى بها فيما لو جرت انتخابات مبكرة، 70 بالمائة وضفوا أداء أولمرت بغير الجيد و54 بالمائة طالبوا باستقالته.

الانهيار في حزب العمل، شريك كاديما في الحرب والهزيمة، أشد فداحة، فزعيمه الجديد عمير بيرتس كان الأقل شعبية في قائمة طويلة ضمت جميع الشخصيات المرشحة لتولي المنصب، وحظي بواحد في المائة فقط من أصوات الناخبين، أما حزب العمل بقيادته، فقد رشحه الاستطلاع لخسارة أكثر من ربع مقاعده (5 مقاعد) ليحتظف بأربعة عشر مقعدا فقط، 82 بالمائة قالوا بأن أداء بيرتس غير جيد و72 بالمائة طالبوا باستقالته.

في المقابل، يسجل الحراك الحزبي الإسرائيلي صعودا في شعبية اليمين الإسرائيلي....نتنياهو حلّ أولا في قائمة الشخصيات المرشحة لتولي رئاسة الحكومة، والليكود بزعامته ضاعف عدد مقاعده في الكنيست إلى 24 مقعدا ليكون الحزب الأول...و"إسرائيل بيتنا" ارتفع رصيده بخمسة مقاعد إضافية، وحل رئيسه أفيغدو ليبرلمان ثانيا في قائمة المرشحين لرئاسة الحكومة وبرصيد 15 نقطة، متفوقا على بيريز وليفني وأولمرت وبيريتس وموفاز وغيرهم.

إذن نحن نشهد "إزاحة" حقيقية في توجهات الرأي العام الإسرائيلي نحو اليمين، بيد أن الأهم من كل هذا وذاك، أن الجمهور الإسرائيلي ما عاد يثق بقادته على اختلاف تلاوينهم ومواقعهم، إذ قال 67 بالمائة منه أنه لايوجد شخصية واحدة من بين جميع الشخضيات المذكورة جدير بمنصب رئيس الحكومة، وعبر (54 بالمائة) منه عن افتقاده واشتياقه لقيادة "تاريخية" مثل أريئيل شارون.

من بين كل أربعة إسرائيليين، يوجد إسرائيلي واحد لا يثق باستمرار وجود دولة إسرائيل، وهذه واحدة من أهم تداعيات الحرب على لبنان، وربما تفسر هذه المعطيات، إصرار حكومة إسرائيل بل وحكوماتها المتعاقبة على انتزاع "حق الدولة العبرية في الوجود كدولة يهودية" من الفلسطينيين والعرب، إذ ربما بهذه الوسيلة فقط، يمكن نشر الطمأنينة و"تطبيع" العلاقة بين الفرد والدولة، إذ من غير المعقول أن تكون مواطنا في دولة تعتقد أن الزوال مصيرها.

أما عن الأولويات التي تقلق الرأي العام الإسرائيلي فقد تصدرها الملف النووي الإيراني (53 في المائة) والوضع الاقتصادي (24 في المائة) وصواريخ حزب الله (12 في المائة)، أما صواريخ القسام فقد جاء موقعها في ذيل القائمة إذ أعرب 4 بالمائة فقط من الإسرائيليين عن اعتقادهم بأنها تشكل خطرا عليهم، وفي ذلك رسالة لمن يريد القراءة في قطاع غزة.

الخلاصة، ليس في إسرائيل قيادة قادرة على صنع السلام مع العرب، ببساطة لأن ليس في إسرائيل قيادة موثوقة...وإذا كان الرأي العام في إسرائيل يثق تاريخيا بجنرالاته، فهذه المرة اهتزت الصورة تماما بعد أن اهتزت مكانة الجيش الذي لا يقهر، وأخذت القصص عن "أسطورته" المصطنعة تتسرب إلى الصحافة، وعلى ألسنة جنرالات وقادة تاريخيين مثل إسحق رابين الذي وصف جيشه بمندوب شركة تأمين يرتدي أحسن الملابس وأفخم السيارات، بيد أنه مفلس في واقع الحال، فالمظهر في حال موظف التأمين و"الأسطورة" في حالة "جيش الدفاع" هما المطلوبتان لإتمام الصفقة. - مفتاح 23/9/2006 -