ما الذي جعل “إسرائيل” تنقلب على عملية السلام، وتتراجع عما كانت قد قبلته، وأوله أن التطبيع يأتي لاحقا على إنهاء النزاع العربي “الإسرائيلي” واستعادة الفلسطينيين استحقاقاتهم الوطنية.. وأن يطلع علينا أولمرت رئيس الحكومة “الإسرائيلية” بطلب التطبيع قبل السلام؟.
لقد كانت هناك عملية سلام لها مرجعيات وأسس وآلية عمل، قطعت أشواطا بعد مؤتمر مدريد عام ،1991 وما لحق بها من اتفاقات أوسلو عامي 93 و،95 وإقرار كل من بوش الأب وكلينتون كوسيط نزيه، بأن السلام سيكون شاملا كل المسارات بما في ذلك السوري واللبناني، وما جرى تحت رعاية كلينتون من مفاوضات للوصول إلى إعادة الانتشار والانسحاب من الضفة وغزة وصولا إلى مفاوضات الوضع النهائي التي تجري بين شريكين ليس لأحدهما أن يفرض على الآخر إجراءات من جانب واحد، لحل المشكلات المعقدة الخاصة بالقدس والحدود واللاجئين والمستوطنات، وبإقرار من كليهما (بوش وكلينتون) بأن المستوطنات غير شرعية وعقبة أمام السلام، وكان المقصود لدى أمريكا أن تنتهي هذه المراحل قبل عام ،2001 أي قبل نهاية حكم كلينتون.
إذن فلابد أن خللا ما حدث لعملية السلام كاتفاق تعاقدي وآلية، وإذا كان ذلك كذلك فمن المسؤول عن هذا الخلل؟ وهو الخلل الذي دفع “إسرائيل” إلى الإقلاع على السلام.
إن أي قرار بهذه الأهمية لا يتخذ بتأثير سبب واحد، وإنما بقوة دفع مجموعة من العوامل، ولهذا فإن العناصر التالية قد تشكل معا أسباب هذا التحول:
1-كانت “إسرائيل” قد شهدت مع نهاية الحرب الباردة عام 1989 حالة من المراجعة لوضعها الدولي، وعلاقتها بالولايات المتحدة، ووضعت أمامها احتمال حدوث تقلص لوظيفة “إسرائيل” كجزء من الاستراتيجية العالمية الأمريكية، وخصوصا دورها في مواجهة النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط.
وكان ذلك عنصرا وضع في الحسابات الاستراتيجية كاحتمال. وإن كان ذلك لم يكن يعني أن “إسرائيل” قد استسلمت له كقدر مقسوم، لكنها قدرت أن تمضي في الوقت ذاته في استراتيجية محاولة تغيير المسار، أي حملة داخلية في الولايات المتحدة تحاول كسب قوة وأنصار لإضعاف فرص حدوث هذا الاحتمال.
2-سبق ذلك أنهم وضعوا في اعتبارهم نتائج حدثين أثرا في قدرة “إسرائيل” العسكرية وذراعها الطويلة في فرض أطماعها الإقليمية كأمر واقع، أولهما حرب73 والإقرار بأنها حطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وما ثبت من أن جيش “إسرائيل” قد هزم عسكريا.
ثم الانتفاضة الأولى عام ،1987 والتي استخدم للقضاء عليها اسحق رابين وكان وقتها وزيرا للدفاع ما سماه “القبضة الحديدة”، ثم ما خرج به من هذه المواجهة العسكرية الشرسة من الانتفاضة من فشل في تصفيتها إرادة المقاومة الفلسطينية.
3-كانت هذه تراكمات أضيفت عليها العناصر الحاسمة في التحول في الموقف “الإسرائيلي” بالانقلاب على عملية السلام، وهي فوز نتنياهو برئاسة الحكومة عام 1996 والبدء في الحال في مشروع عرقلة اتفاقات أوسلو، والعودة إلى جوهر المشروع الصهيوني القائم على التمسك بالأرض والتوسع فيها، في تناقض تام مع مفهوم عملية السلام، والتي كانت بالنسبة ل “الإسرائيليين” مرحلة لما سموه عصر ما بعد الصهيونية.
4- مجيء “المحافظين الجدد” إلى الحكم مع بدء عهد الرئيس جورج بوش في يناير ،2001 وهم فريق من دعاة الفكر السياسي الصهيوني، كانت لهم علاقة تنظيمية مع الليكود منذ وجوده في المعارضة، وقبل فوز نتنياهو عام ،1996 وجمع بين الاثنين نفس الخطط الخاصة بالانقلاب على عملية السلام برمتها ومبدأ الأرض مقابل السلام، والقضاء على ما كان قد تم إقراره، وقطع أشواطا في عهد كلينتون.
5- والعنصر الأهم من ذلك كله كان الفهم العربي لعملية السلام، وهو الذي كان أهم أسباب الخلل الذي أصابها، فعملية السلام عند “إسرائيل” كانت صراعا عربيا-”إسرائيليا” منذ مدريد، إلى أن تتحقق كل خطواتها، أما عند العرب فقد كانت شيئا آخر مناقضا تماما لذلك.
وكان شيمون بيريز في محاضرة ألقاها في جامعة جورج واشنطن عام 1997- وقد حضرتها في ذلك الوقت في العاصمة الأمريكية- قد شرح ذلك بقوله: إن عملية السلام عند “اسرائيل” هي حرب من أجل السلام، بمعنى أنهم سيدخلون صراعا تفاوضيا حادا لكي لا يعطوا العرب إلا أقل ما يمكن، ويحصلوا منهم على أقصى ما يستقطعونه، لكن ذلك تحكمه استراتيجية الطرف العربي في حرب التفاوض هذه.
أما ما حدث أن العرب لم يصنعوا لأنفسهم هذه الاستراتيجية ولم يعتبروها حربا أو صراعا، بل إنهم قد اعتبروا أنهم ماداموا قد اتفقوا في أوسلو على بدء عملية السلام، فإن الصراع قد طويت صفحته وأن السلام قد حل.
فهرع البعض منهم، وهم كثر، إلى إقامة علاقات تبادلية تجارية مع “إسرائيل”، وساقت صحيفة هآرتس في عام2002 تفاصيل كثيرة عن حجم التجارة السنوية بين “إسرائيل” وعدد لا بأس به من الدول العربية.
أي أن جانبا مهما من ثمار التطبيع قدمته دول عربية هدية ل “إسرائيل” مبكرا ومقدما، بينما كانت أساسيات عملية السلام، تقرر أن يأتي التطبيع لاحقا لحدوث السلام، وحصول الفلسطينيين على حقوقهم الوطنية في تقرير المصير، والتي ستؤدي بالضرورة إلى قيام الدولة.
فلا عجب إذا جاء أولمرت بعد كل هذه السنوات، ليرفض المبادرة العربية التي تقدم ل “إسرائيل” التطبيع حسب ما كان متفقا عليه، وحسب أسس عملية السلام بعد إتمام مراحل هذه العملية، وهو بذلك يكشف عن تمسك بانقلاب “إسرائيل” على عملية السلام وليس المحافظة عليها أو دفعها إلى الأمام.
وكان موقفه مثيرا للريبة بتحديده دولاً بعينها يلتقي معها، حيث دعا إلى عقد مؤتمر إقليمي تشارك فيه السعودية والدول العربية المعتدلة، على حد تعبيره، والهدف إيجاد علاقات يسبق فيها التطبيع، التوصل إلى تسوية سلام شاملة، في خروج على أصول عملية السلام، وفي تأكيد للانقلاب “الاسرائيلي” عليها.
ولا يختلف جوهر هذا الموقف مع الأفكار التي سبق أن حددها سلفا شارون، عندما قال إنني لست مستعدا لتسوية سلام نهائية، وأن كل ما نقبله هو ترتيبات مرحلية، وقد أعاد أولمرت تأكيد هذه الأفكار منذ شهور حين عاد للتحدث عن فهمه للدولة الفلسطينية بأن تكون دولة ذات حدود مؤقتة وليست نهائية، وينبغي الحيطة والحزم من أن يكون هذا الفهم هو ما يدور في عقل كل من أولمرت وكوندوليزا رايس، في وسط الحديث عما يسمى إيجاد أفق سياسي، وهو ما وصفته مصادر أمريكية بأن تلك الكلمة هي الشفرة لصياغة خطوط للتعامل مع مشكلات الوضع النهائي والحدود والقدس، واللاجئين، وغيرها. حيث تمتد المفاوضات حولها لسنوات. وأن تنتظر مشكلات الوضع النهائي على أن يحدث ما تصفه “إسرائيل” بوضع نهاية حاسمة للإرهاب الفلسطيني وهو تعبير تقصد به تصفية كل مظاهر المقاومة قبل إنهاء الاحتلال، وكذلك استكمال مشروعها لتوسيع المستوطنات.
هذه استراتيجية “إسرائيل”، بعد الخلل الذي أصاب عملية السلام، ومادام الجانب العربي مسؤولا بدرجة كبيرة عن حدوث الخلل، فإن عليه مسؤولية إصلاحه وتعديل ميزان علاقة عملية السلام، فلولا أن “إسرائيل” قد تلقت جانبا كبيرا ومهما من خطوات التطبيع بلا مقابل، ودون أن تقدم شيئا في المقابل، لما تشجعت على ان تطلب التطبيع كاملا ، وقبل عملية السلام، وبلا أي مقابل. - الخليج 11/4/2007 -