كلنا يعرف ان الهوية الفلسطينية ظلت على الدوام هدفاً لكل مناضل وطني، وتحولت بعيد منتصف السبعينيات (من القرن الماضي) وطوال فترة الثمانينيات والتسعينيات الى حالة ألق ومجد نادرة، حتى ان بعض علماء الاجتماع السياسي كانوا يصنفون الشعب الفلسطيني كواحد من اكثر شعوب الارض تمسكاً بهويته الوطنية. من المعروف والواضح ان الهوية الفلسطينية تعرضت منذ الربع الاخير من القرن التاسع عشر وحتى الثلث الاخير من القرن العشرين الى هزات عنيفة وإلى محاولات طمس متعددة الاشكال والوسائل، لكن الامر الاكثر جوهرية ان هذه الهوية قد تبلورت وتجسدت وتطورت وتحولت بالترابط الوثيق مع هجوم المشروع الصهيوني وأطماعه العدوانية والتوسعية من جهة، كما علت وخبت وتصاعدت بالترابط مع قدرة الهويات الاكبر (الهوية القومية والهوية الدينية) على ضبط ايقاع الهوية الوطنية في الاطار الخاص بها (اطار الهويات الاكبر) ومع نجاح او فشل هذه الهويات في التعبير عن المصالح الوطنية الفلسطينية، أثبتت التجربة الكفاحية للشعب الفلسطيني ان الهوية الفلسطينية كانت هدفاً بحد ذاته (من زاوية طبيعة المشروع الصهيوني)، وكانت وسيلة (من زاوية حاجة الفلسطينيين الى تعبئة طاقاتهم)، حتى اختلط الامر بين الوسيلة والهدف وتحولت الهوية الفلسطينية عند مرحلة معينة من تطور الكفاح الوطني للشعب الفلسطيني الى ثابت اكبر للحركة الوطنية وأصبحت هذه الهوية هي عنوان وحدة الارض والشعب والمصير بما تنطوي عليه القضية الوطنية الفلسطينية من أبعاد مصيرية للشعب الفلسطيني بصرف النظر عن اماكن تواجده وعن حالة الشتات التي يعيش بها، وبصرف النظر عن طبيعة الدولة والنظام السياسي الذي يحكم الاجزاء الفلسطينية او يتحكم بها. ان هذا الاندماج العبقري وحالة التوحد الفريدة لشعب يعيش بعضه تحت الاحتلال المباشر ويعيش بعضه الآخر في بلدان عربية، ويتراوح وضعه فيها بين المواطنة الكاملة كما هو الحال في الأردن والإقامة بحقوق كبيرة وواسعة كما هو الحال بالنسبة للفلسطينيين في سورية وكما كان الحال بالنسبة للفلسطينيين في العراق قبل احتلالها الى الإقامة على مضض مع حرمان شبه كامل من ابسط الحقوق كما هو حال الفلسطينيين في لبنان، ناهيكم طبعاً عن حالة الفلسطينيين في اسرائىل نفسها وما تنطوي عليه اوضاعهم من مفارقات وأبعاد واحتمالات.

ان هذا الاندماج وهذا التوحد لم يكن ممكناً بل كان مستحيلاً لولا منظمة التحرير الفلسطينية حينما تحولت هذه المنظمة من حركة عسكرية تكافح لتحرير اراضيها المحتلة الى حركة سياسية تجسد طموحات الشعب الفلسطيني وتعبر عن أمانيه وأهدافه وتقود نضاله التحرري بالوسائل الممكنة والمتاحة بما فيها (وأحياناً) على رأسها العمل العسكري في ظل انتعاش دور الوطنية الفلسطينية وفي ظل اعتبار هذه الوطنية الثابت الاكبر والأهم لمجموع فصائل العمل الوطني التي انخرطت في اطار المنظمة. نعم، ان تحول منظمة التحرير الفلسطينية من منظمة ملحقة بالنظام السياسي العربي او في اطار محيطه وكنفه العام ومن ملحق بالسياسات القومية للنظام الناصري الى المبادرة الوطنية بأخذ زمام الامور الوطنية بيد حركة فلسطينية وطنية مستقلة مثلتها وجسدتها فتح في حينه ومن ثم الجبهتان الشعبية والديمقراطية والحزب الشيوعي الفلسطيني (حزب الشعب لاحقاً) وبعض الفصائل الفلسطينية العريقة في النضال الوطني كما هو الحال بالنسبة لجبهة التحرير الفلسطينية وجبهة النضال الشعبي وحركة وطنية فلسطينية تشق طريق الكفاح المسلح (كما فعلت فتح وبادرت) ولحقت بها الفصائل الكبرى (رغم ان التفكير بالكفاح المسلح والتحضير له قد سبق مبادرة فتح بالنسبة للجبهة الشعبية وبالنسبة لجبهة التحرير الفلسطينية). ان هذا التحول هو الذي اعطى للهوية الوطنية الفلسطينية الزخم الذي وصل الى عنان السماء وهو الذي اوصل الهوية الوطنية الى قمم المجد الذي وصلته.

هنا لا بد ان نلاحظ ان الوطنية الفلسطينية قد انتصرت على الإلحاق القومي وعلى المفهوم القومي الذي كان يعتبر القضية الفلسطينية واحدة من قضايا التحرر القومي ولكنها جزء يخضع لشبكة مفاهيم اخرى (الوحدة والاشتراكية) احياناً، إلى اولوية وجود النظام (الحكم) القومي على هذا الجزء احياناً اخرى، ولم يكن للحركات الدينية من دور يذكر (المقصود هنا الدور المستقل) بالرغم من ان بعض اعضاء الحركات الإسلامية قد شارك في اطار فتح او في اطر اخرى في هذا النضال. بعد اوسلو وصلت منظمة التحرير الفلسطينية الى مأزق كبير سواء على صعيد الاداء او على صعيد البرنامج الوطني، حيث تحول البرنامج الوطني الى حالة راكدة وغير قادرة على التعبئة الوطنية والتحشيد الفعال وترافقت مع اداء سيئ لسلطة ضعيفة وهشة وفاقدة للوزن والصلاحيات، والأخطر والأهم من كل هذا ان هذه السلطة بهذا الشكل وبهذا الوزن وبهذا الاداء كانت في الواقع العملي تقضم من اهمية المنظمة ومساحتها ودورها وهيبتها ومؤسساتها، وخرجنا بعد استعصاء الحل في كامب ديفيد (الثاني) الى حالة من الفوضى السياسية العسكرية والأمنية وإلى شلل تام للمؤسساتية حتى جاء انتصار حركة حماس على الحركة الوطنية بكافة فصائلها وكافة أطيافها حتى وإن اعتقد البعض ان هذا الانتصار هو انتصار على حركة فتح لأن برنامج حركة حماس برنامج مغاير تماماً لكل البرنامج الوطني وهو لا يعبر عن نفس الهوية ونفس المصالح والرؤية والوسائل والاساليب. ليس هذا الوصف حالة تقييمية لبرنامج حماس ورؤيتها (فهذا موضوع آخر)، وانما هو حالة وصف لواقع قائم. فحركة حماس لديها مفهوم آخر للهوية ولديها برنامج آخر للتعبير عن المصالح الوطنية كما تراها وتحددها ولديها مفاهيمها الخاصة عن وحدة الارض والهدف والقضية والمصير (وهذا حقها)، أما الأمر الأهم هنا فهو ان الهوية الوطنية كما عبرت عنها المنظمة وكما جسدتها تواجه اليوم بداية مأزق كبير وقد نكون أمام منحدرات خطرة على هذا الصعيد. اذا لم يتم النظر الى حالة الانقسام القائمة في الساحة الفلسطينية باعتبارها تهديداً سياسياً وجغرافياً لوحدة الشعب والقضية وبالتالي كتهديد للهوية الوطنية، واذا ما استمر البحث في هذا الانقسام على اعتبار انه خلاف واختلاف بين حركة حماس وحركة فتح ومجرد صراع على السلطة او الحصص او حتى صراع على الاجهزة او على بعض مركبات النظام السياسي فإننا سندخل الى مرحلة جديدة عنوانها الهوية الفلسطينية. القضية الوطنية لن تموت ما دام الشعب الفلسطيني حياً وموجوداً على الخارطة السياسية، ولكن الهوية الوطنية يمكن لها عند درجة معينة من تفاقم ازمة الانقسام الداخلي ان تتعرض للتبديد ويمكن ان تتعرض للتهديد، والفرق بين الهوية والقضية في هذه الحالة هو كالفرق بين الحقوق والاهداف، فقيمة اية حقوق تكمن في تحولها الى اهداف يتم السعي لتحقيقها والهوية هي بالضبط الجسر الذي يربط الحقوق بالأهداف او يربط الاهداف بالحقوق. عندما كان التهديد للهوية خارجياً كانت الهوية هدفاً وكانت غاية نبيلة لكل وطني وعندما يتحول التهديد للهوية الى عامل داخلي يتراجع هذا الهدف وتتراجع تلك الغاية وهذه هي المرة الاولى في تاريخ الشعب الفلسطيني الذي يكون العامل الداخلي السبب المباشر لتراجع الهوية الوطنية وهذا هو الخطر الحقيقي. فهل نرتفع الى مستوى المسؤولية في معالجة الازمة الداخلية ونرى ما تمثله من أخطار على حاضرنا ومستقبلنا وهويتنا وقضيتنا ومصيرنا؟ - الأيام 23/8/2007 -