ما قاله جيمي كارتر قبل أيام في أحد مراكز حقوق الإنسان يثير أكثر من شجن فلسطيني، ما دامت غزة هي قطاع العقاب والضفة هي الثواب. وما قصد إليه كارتر واضح تماماً، فالمكافأة هي حصة الحكومة التي تقود الضفة الغربية والعقاب هو حصة حماس التي تواجه بالجملة حصار وجوع وظلام غزة، وقد تواجه ظمأها أيضاً في هذا الصيف القائظ.
لكن تشخيص كارتر يحلق عالياً، وتفوته تفاصيل كثيرة تتطلب ممن يقدم أي مقاربة لهذه الدراما أن يقترب ويترجل، فالتقسيم الذي فرضه واقع سياسي لمناطق السلطة الوطنية لا يقبل الاستمرار إلا إذا انشطر الشعب ذاته إلى شعب ضفة وشعب قطاع، وعندئذ يكون السور الوهمي الجديد صورة كوميدية من سور برلين.
لماذا تعاقب حماس ولماذا تكافأ فتح؟ وممن؟ هذا سؤال يدور الآن في أذهان من يضربون الأخماس بالأسداس، وهم حائرون بين تصديق ما يرون وما يقوله العقل والمنطق سواء تعلقا بسياق تاريخي أو بجغرافيا عصية على هذا السكين.
وإذا كان المقصود بثنائية العقاب والمكافأة هو تلقين الفلسطيني درساً في فقه الخضوع والامتثال فإن الاختبار أعسر مما يظن البعض، فالفلسطيني لم يعد مجرد فم فاغر، أو اسفنجة بانتظار ما تمتلئ به، سواء كان دما أو ماءً أو أي سائل آخر.
ومن الكوارث الكبرى بكل المعايير أن تعاد صياغة السؤال الوطني، وسؤال الاستقلال بحيث يصبح الوطن مجرد رغيف، حتى لو كان مدهوناً بحليب العصافير.
إن التعامل الإقليمي والدولي مع ما حدث في فلسطين على أنه أمر واقع ونهاية مطاف هو كارثي أيضاً، وله نفوذ المؤامرة وتأثيرها حتى لو لم يكن كذلك.
وقد مهد لهذا المشهد خطاب سياسي اختزل الكينونة الفلسطينية كلها إلى مساعدات دولية مشروطة، وافراج عن أموال تسطو عليها سلطات الاحتلال، رغم أنها أموال فلسطينية.
وكم يشق على النفس أن يضطر المرء إلى مجاراة هذا الوضع الشاذ والطارئ الذي أفرزته الحقبة العربية برمتها، وليس فلسطين فقط، فلولا الهشاشة والرخاوة والانسحاب على التوالي من حلبة الصراع، ورفع شعار “هلك سعد فلينج سعيد”.. لما كان الحال على ما هو عليه، ولما استفردت الدولة العبرية بالشعب الفلسطيني الذي انتقل من مناخات الانتفاضة والممانعة إلى مناخات الاقتتال والتآكل الوطني. إن حكومة واحدة، ومؤتلفة وطنياً تحت الاحتلال تعاني ما لا يطاق أحياناً، فكيف سيكون الحال عندما تكون هناك دولتان في أرض محتلة؟
قبل أيام قليلة أعادت الدولة الصهيونية وحدة الدم إلى الضفة والقطاع لأنها قتلت ثلاثة في كل منهما لتقول للفلسطينيين إنهم مطلوبون بلا استثناء وإن مفهوم الموالاة والمعارضة تحت الاحتلال لا يعني سوى هدر الدم والوقت.
ما الذي اقترفه أهل غزة كي يعاقبوا؟
هذا السؤال قد يتوجه به أهل الضفة الغربية قبل غيرهم، لأن الشعب الفلسطيني رفض على امتداد تاريخه الرشى ومقايضة الدم بالذهب وليس بالطحين أو الماء.
إن التعاطي العربي والإقليمي والدولي مع ما حدث في فلسطين في ظروف استثنائية وشاذة على أنه نهاية مطاف، هو جريمة كبرى سواء كان يحمل اسم مؤامرة أو أي اسم آخر. الخليج 27/6/2007 -