طهارة السلاح، القيم الـمجتمعية الرفيعة، الوحدة الوطنية، عدالة القضية، عقلانية التفكير، وُجهت لها طعنات مؤلـمة، وهي الآن تترنح بانتظار دخول العناية الفائقة كي يصار إلى معالجتها فبل فوات الأوان. الاقتتال والأداء الـمخاتل والهبوط في مستوى التفكير أساءت للقضية الفلسطينية بمعدلات غير مسبوقة. أكثرية الناس تتألـم وتبحث عن مخارج وحلول خارج الوضع. معظم الناس فقدوا الثقة بقدرة التنظيمات على ايجاد الحل والالتزام به بعد تجربة مريرة من وعود بلا رصيد. كثيرون يفكرون بالحلول السلبية كالهجرة والهروب خارج الوطن إلى غير رجعة، يأتي في مقدمة هؤلاء فعاليات اقتصادية وأصحاب خبرات وأكاديميون، إضافة لفئة متزايدة من الشبان. وكثيرون يطلبون عودة الاحتلال العسكري الإسرائيلي طوعا باعتباره أرحم من ذوي القربى! البعض يطالب بحل السلطة حتى لو كان الثمن عودة الاحتلال أو من أجل عودته كأحد الخيارات.
الأشقاء والاصدقاء لا يقل استياؤهم عن استياء الـمواطنين، ومن يتشكك في ذلك عليه مراجعة الآراء في وسائل الاعلام، كثيرون طالبوا حكوماتهم بمقاطعة السلطة ووقف كل أشكال الدعم لها، وكثيرون فقدوا اندفاعهم وحماسهم للتضامن مع الشعب الفلسطيني. وآخرون يطالبون بفرض نوع من الوصاية الـمباشرة. إذا كان الحل من فوق اصبح متعذرا، والهروب يشكل حلا فرديا وشخصانيا، وإذا كان الاحتلال مصيبة الـمصائب ولا ينطوي على أي حل بأي حال من الأحوال، فإن الحل الوحيد هو الحل النابع من مصالح جميع الـمتضررين والـمهددين بحياتهم ومستقبلهم وحريتهم. ثبت أن الحل الحقيقي هو الحل الذي يأتي من تحت ويفرض فوق. غير أن هذا الكلام يبقى مجردا إذا لـم يقترن بأفعال ملـموسة.
مبادرون أعلنوا غضبهم في غزة وسحبوا ثقتهم من كل الذين يقتلون ويرهبون ويعذبون أبناء شعبهم، انتشر الغضب بسرعة في صفوف النخبة وبدأ يتشكل رأي عام متزايد غاضب ضد القتل والكذب والتحريض وهذا شيء مهم. مبادرون آخرون طرحوا فكرة الـمؤتمر الشعبي الذي تنبثق منه عشرات لجان الـمراقبة والتدخل لدى التنظيمات ولجان حماية الـمؤسسات الـمدنية والـمستشفيات والـمدارس. أصحاب الـمبادرة للـمؤتمر طرحوا برنامجا وأهدافا وطنية واجتماعية كقاعدة لانطلاقته، وهذه الـمبادرة أكثر أهمية إذا ما خرجت للنور وامتدت في قطاع غزة والضفة الغربية. ومبادرون في رام الله طرحوا عصيانا مدنيا لانقاذ غزة وعموم الوضع الفلسطيني، بدون تحديد آليات الفعل والانطلاق وبمعزل عن حالة الـمزاج العام الذي قد يسمح ولا يسمح، فالعصيان يأتي تتويجا لتحرك شعبي عارم عبر الارتقاء من حالة العفوية إلى التنظيم، تبقى الـمبادرة ايجابية وتحتمل الخروج إلى النور في لحظة الإحساس الكبير بالخطر. وثمة مبادرات أخرى وإرهاصات هنا وفي كل مكان تحاول التدخل ايجابا من أجل إنقاذ الوضع. إن انطلاق أي مبادرة من تحت، يرتبط بمراقبة ومحاصرة مصدر التصعيد الذي يجعل الاوضاع أكثر اشتعالا. على سبيل الـمثال، عندما يعترض الـمصلون على كل تحريض يغذي الفتنة عبر إطلاق أحكام التخوين والتكفير بلا دلائل ويبتعد عن تعاليم الدين التي تعزز الوحدة والتسامح والتعاضد. عندما يفقد الأئمة الـمتعصبون حرية تحويل الـمساجد لـمكاتب حزبية مغرقة في السياسة والتعصب ولا يسمح لهم بإطلاق فتاوى الدخول للجنة والنار فإن الاحتقان يزول، ويستبدل بحوار أخوي. يستطيع الخطاب الديني أن يهدئ الخواطر ويصفي النفوس ويصنع الوحدة، فكيف يمكن الانحياز لهذا الخطاب ومعارضة نقيضه الخطاب التحريضي التوتيري. لقد شهدت الـمساجد التي يمارس بعض أئمتها التحريض احتجاجات بالـمقاطعة والذهاب إلى مساجد أخرى وتقديم الشكاوى لـمؤسسة الأوقاف. ويشكل هذا الاحتجاج محاولة من جمهور الـمصلين لتصويب الدور الـمناط بالعاملين في الـمساجد.
وسائل الإعلام والإعلاميون الذين يمارسون التحريض لدرجة الاتهام بالتخوين، والذين يزورون الحقيقة، يتعرضون لجريمة ويغمضون عيونهم عن جرائم أخرى، هؤلاء الذين يساهم تحريضهم في إشعال النيران وتوسيع رقعة الاقتتال، مطلوب مقاضاتهم باعتبارهم منتهكين لقانون الـمطبوعات في بند حرية التعبير ونقل الحقيقة، ومنتهكين لسلوكيات الـمهنة. يمكن سحب الترخيص من مؤسساتهم، وحرمانهم من البطاقة الصحافية الصادرة عن وزارة الاعلام ونقابة الصحافيين وعزلهم من الجسم الصحافي إلى ان يلتزموا بالأنظمة والقوانين وسلوكيات الـمهنة والـموضوعية. وضع قوائم سوداء باسماء الـمتهمين بارتكاب جرائم وقصف وتدمير الـممتلكات وترويع الـمواطنين وتهديدهم، وتهديد حرية التعبير، بصرف النظر عن التنظيمات والاجهزة التي ينتمون لها، والعمل على عزلهم ورفع قضايا اتهام ضدهم والـمطالبة بإخضاعهم للـمحاكمة وتقديمهم للعدالة.
تدخل النخب الثقافية والاكاديمية ضد الانتهاكات ومرتكبيها وتسمية كل انتهاك والجهة الـمسؤولة عنه، ورفض تبرير انتهاك واعتداء وجريمة بمثيلاتها لدى الطرف الآخر، والكف عن تعويم الخروقات بإسنادها للطرفين الـمتقاتلين. لقد ثبت فشل هذا الاسلوب بل انه شكل الغطاء للاطراف الـمتقاتلة لتبرير وتمويه انتهاكاتها بحجة وجود انتهاكات أخرى. إن التعريف بكل انتهاك على حدة والتعامل معه كعدوان موجه للحق العام أولا والعمل على معالجته قانونيا هو الطريق الأقصر لتقليص رقعة الصدامات. تقديم نموذج مدينة رام الله ــ البيرة للتعايش واحترام التعدد السياسي والثقافي وحرية التعبير والحوار البناء، مدينة بدون فلتان، يسود فيها القانون، ويحاسب فيها كل خارج عن النظام والقانون، يسود فيها جهاز شرطة واحد، مدينة نموذج توجه طاقاتها للنضال ضد جدار الفصل العنصري والحواجز العسكرية الـمنتشرة في الـمحافظة. إن تقديم هذا النموذج يستهدف تعميمه في الـمدن الأخرى وصولا لكل مكان وبقعة فلسطينية. مبادرة هنا ومبادرة هناك تعبر جميعا عن إرادة الـمجتمع على تجاوز الـمحنة، الـمبادرة من تحت هي الضمان لتصويب الأوضاع من فوق. قضايا قد تبدو صغيرة ومثالية لكنها قابلة للتحقق عندما تتوفر الارادة والتصميم، النجاح الصغير سيأتي بنجاح أكبر وبعد ذلك يمكن الانتقال إلى قضايا من الوزن الثقيل كوضع استراتيجية وطنية واحدة وإعادة بناء الـمنظمة والسلطة و... و... و... Mohanned_t@yahoo.com - الأيام 22/5/2007 -