لعبة الصقور والحمائم لعبتها اسرائيل مع العرب والفلسطينيين بحجة الديمقراطية الكاذبة التي اعترف لهم بها العالم ، وأيدهم بها فكانت ملاذاً لهم للهروب من الإستحقاقات التي فرضتها الأمم المتحدة بقراراتها بخصوص القضية الفلسطينية ، واثبتت اسرائيل براعة وحرفية في هذه اللعبة واستطاعت لغاية هذا التاريخ التملص من مسؤولياتها والتزاماتها الأخلاقية والدولية. اسرائيل مارست هذه اللعبة لأجل مصالحها العليا وبعيداً عن المصالح الشخصية إن كانت تتعارض مع المصلحة الوطنية العليا. في هذه الأيام تمارس حماس لعبة الصقور والحمائم مع شعبها ومع شقيقاتها فتح والفصائل الفلسطينية الأخرى لتتملص من الإعتراف بخطئها الفادح الذي ارتكبته بإنقلابها في 14 حزيران 2007 وفصلها رأس الجمل عن جسده ، وشقها الصف الفلسطيني وتمزيقها لنسيج هذا الشعب المنكوب ، لتعمق من نكبته ومصائبه في وقت تمر فيه القضية بمنعرج خطير هي أحوج فيه للتلاحم والوحدة الوطنية الفلسطينية للتصدي للهجمة الصهيونية وأعوانها على ما تبقى لنا من حطام فلسطين نحتفظ به كذكرى تلهب فينا استمرار الشوق والنضال للوصول لأهدافنا ما ظهر منها وما بطن. وكقميص نمسك بطرفه في محاولة لاسترداده من اللص الذي انتزعه منا مبقين على الصراع بكل أصنافه الثقافي واالديمغرافي ، والمقاومة بكل وسائل المقاومة المتناغمة مع موازين القوى حتى يتم حسمه نهائيا والصراع هنا هو صراع وجود طويل الأمد ، وليس صراعاً على فريسة تنتهي بمرحلة افتراسها من أحد الخصوم وأكلها . ففلسطين باقية والشعب الفلسطيني باقٍ رغم كل محاولات التصفية والتهجير والمشروع الصهيوني أصيب في مقتل بإذن الله. وذلك بتقوقعه داخل جدران صماء مغلقة سوف تتآكل بعوامل التعرية المناخية والصمود الفلسطيني على أرض فلسطين وإمسكهم بالنواجذ علي أي جزءٍ منها وتفوقهم الديمغرافي على المدى الطويل.

لا أحد يشك في أن حماس أخطأت حتى قادتها ومنسوبيها ، وإن الإعتراف بالخطأ فضيلة تدل على شجاعة أخلاقية ودينية ووطنية وعلى الثقة بالنفس لإن الإنسان بطبعه خطّاء وغير معصوم عن الخطأ ، وأن المكابرة والغي والإستمرار في عدم الإعتراف دليل على ضحالة الفكر وعدم الثقة بالنفس وتعميق للجراح والفرقة والهزيمة الذاتية. ما أجمل نقد الذات وتصويب الأخطاء ، إنها تنقي النفس وتصقلها ، وتنزع منها الكبر وجنون العظمة ، وتنقي النفس التي وقع بحقها الخطأ ، إنها بمثابة الغسيل للذنوب لو أدركها الإنسان.

حماس في غزة (الصقور) وليس المقصود كل حماس ، يصعدون ويلهبون مشاعر الحقد والغل والإنتقام ويتوعدون باحتلال الضفة الغربية وتطهيرها من أشقائهم الكفار والفاسدين وهنا فإننا نأمل إن احتلوها أن يواصلوا احتلالهم ليمتد الى القدس إن كانوا قادرين على ذلك ، وحماس في الضفة (الحمائم) يلطفون الأجواء ويغازلون الرئاسة في لعبة الصقور والحمائم ويصفون لقاء حماس الضفة بالرئاسة بالعابر ، وكأن لقاء الأخ بأخيه في هذا الزمان أصبح صدفة وعابراً وهامشياً في وقت يتعرض فيه الأخوان لمؤامرة تستهدفهما معاً.

لا مناورة على الأخ وعلى الشعب ، وأن الإستمرار في هذه اللعبة تصب نتائجه في الإتجاه المعاكس للمصلحة الوطنية العليا ، كنا نتمنى أن تلعب حماس وفتح لعبة الصقور والحمائم لترد على اسرائيل بالمثل ومن أجل هدف وطني ومصلحة عليا للشعب والوطن. أما آن لنا أن ندرك مخاطر الإنفصام في الشخصية الفلسطينية بعد 14 حزيران 2007. أما آن لنا أن نتخلّى عن الإزدواجية والتشرذم الدخيل على شعبنا. كنا نتمنى أن يتدارك العقلاء الخطر قبل حدوثه ، كما تداركت اسرائيل الشقاق الذي حصل بين قطبيها الليكود والعمل ، وخرجت بحل وسط (حزب كاديما) والذي هو خليط غير متجانس في إطار المصالح الشخصية ، ومزيج متآلف في إطار المصالح الوطنية العليا من عقلاء القطبين استبقى لحكومتها شخصيتها أمام المجتمع الدولي واستمرار سياسة متلونة بين الرخاء والشدة ، تتقلب بين مد وجزر في التعامل مع الفلسطينيين لتظهر أمام العالم بأنها جبهة موحدة وتري العالم بأن الخصم منقسم على نفسه.

ندرك جميعنا أن حركة حماس جزءٌ لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني ، وندرك أن غالبيتها أناس وطنيون ، وندرك أنها تتعرض لاستقطابات اقليمية وإملاءات خارجية لم تستطع فئة منها وخاصة القيادية التخلص من هذه الاستقطابات والتجاذبات لأسباب تتعلق بالإمدادات المالية ومقر القيادة السياسية لحماس ، ولكن خطورة الموقف والتهديد المسلط على الملف الفلسطيني يستدعي شجاعة ونية حسنة خالصة لله والوطن والشعب واتكال على الله من منطلق أن " درء المفاسد خير من جلب المنافع ". وهل هنالك مفسدة أشدّ على الفلسطينيين من هذا الإنقسام والتشرذم ، ونسأل سؤالاً مشروعاً هنا ، ما هي المنافع التي جلبها أو سيجلبها الينا هذا الإنقسام؟ والجواب معروف للقاصي والداني وللطفل الفلسطيني الحائر أمام هذا الوضع المتشرذم ، حائر بين أخيه الفتحاوي وأخيه الحمساوي ، ثقل وعبءٌ جديد أضيف على كاهله مع أثقال الإحتلال بما يجره من اجتياحات واعتقالات وجرائم قتل يومية يذهب ضحيتها مناضلون وعزل من المجتمع الفلسطيني دون تحقيق أي هدف وطني ينعكس على الأرض أو على الشعب بالمنفعة.

في مثل هذه المواقف الحرجة ، تتجلّى شجاعة القادة وحكمتهم وتضحياتهم وتغليبهم المصلحة العليا على المصلحة الشخصية. وتلك هي المحك الحقيقي للقرار الوطني المستقل والبعيد عن جاذبية الإنتهازية من قبل أحلاف اقليمية ودولية والإنجرار ورائها دون تقدير وحسابٍ دقيق للمصلحة العليا للشعب. إن ياسر عرفات كان يعلم علم اليقين ما سيؤول اليه مصيره بعد رفضه كامب ديفد ، ورجع الى فلسطين واختار الحصار الطويل على التفريط في الثوابت التي أجمع عليها الشعب ودفع حياته ثمناً لهذا الموقف المبدئي الثابت والمتمترس بقوة الايمان بحق الشعب والتسلح بالشجاعة المنقطعة النظير ، ولو كان ينظر لمصلحة شخصية لاستطاع بكاريزمته العالية أن يقبل ويقنع الشارع بالاتفاق ولحظي بدعم عربي للخلاص من عبء القضية بحجة القبول بالإرادة الفلسطينية صاحبة الشأن الآولى في هذا الصراع.

حماس بتشنج فكرها السياسي ، وتصلب مواقفها تبدو كالعود الناشف ، يسهل كسره إن تعرض لمحاولات الكسر من الخصوم ، فقد أفقدتنا عنصراً وورقة هامة كانت بأيدينا ، فهي لا تستطيع ممارسة المقاومة الممنهجة والمبرمجة بكل وجوهها لإرتهان مصالح غزة الحيوية بالوحش الإسرائيلي من كهرباء وماء وامدادات المواد الغذائية. حماس تمضي قدماً في لعبة الصقور والحمائم مع أشقائها ، ونسيت أن تمارسها مع العدو بحيازتها على أغلبية في المجلس التشريعي وبناءً على الديمقراطية التي أوصت بها اللجنة الرباعية في خارطة الطريق. حماس فوتت علينا ردّ كرة الصقور والحمائم التي يقذفها علينا الاسرائيليون للملعب الإسرائيلي. وتسببت في حصار خانق للشعب لقفزها للسلطة من فوق حاجز المقاومة للتحرير ، حماس لم تحسن استغلال الفرصة التي سنحت لها بفوزها بالإنتخابات لتلعب مع الخصوم لعبة الصقور والحمائم. أما آن لقادة حماس أن ينزلوا من علو الكبر وحب السلطة وفرض الإرادة نزولاً عند مصالح الوطن والشعب ، أما آن لهم أن يدركوا خطورة الوضع على مستقبل الأجيال القادمة. كفانا اجتراراً للأخطاء ، وكفانا تشنجاً وطنياً للتظاهر بالحفاظ على العذرية الوطنية في الخيال والتي هي في الواقع تنتهك كل يوم من اسرائيل بالإجتياحات والقتل والأسر والحصار والإذلال.

نحن نعرف أن هنالك شريحة كبرى من الشعب الفلسطيني وخاصة في الشتات لا تدفع ضريبة الإحتلال ، يعيشون في بحبوحة من العيش ، فلا يسقط لهم شهيد أو يعاق لهم جريح أو يحاصر أحدهم في رزقه ، يعيشون في المهاجر يغلقون أبوابهم وينامون باطمئنان وأمن مع عائلاتهم ، فلا يطرق بابهم ليلاً جنودٌ ترعب أطفالهم وتسوق رجالهم للمعتقلات ، وهنالك شريحة مرتبطة مصالحها بأحلاف اقليمية فرض عليها التشنج الوطني ونشفان الوعي السياسي ، وعندما تطرح أمامهم قضية شعبهم ووطنهم ، يبادرون الى التشنج والتمسك بالعذرية الوطنية برفض الحلول المرحلية لكي يقال عنهم وطنيون ويكيلون التهم بالعمالة والخيانة جزافاً لأعضاء الوفد الفلسطيني المفاوض، وينسون ما يتعرض له أهلهم في الداخل وما يدفعون من ضرائب مكلفة من جراء الإحتلال الإستيطاني ، وما يسلب لهم من أرض ، وما يتعرضون له من إذلال على الحواجز ومحاربة في رزقهم ، ولم يخطر على بال بعض من هؤلاء المتشنجين أن يساهم مادياً في دعم صمود أهل الداخل بكفالة عائلة أو يتيم أو مساعدة طلبة العلم وهم قادرون . ويعدون لمؤتمر لرفض الحلول ، واضعين العربة أمام الحصان استباقاً للأحداث ، وإصداراً للأحكام المسبقة قبل رؤية النتائج ، فما نسمعه من المفاوضين تمسكهم بالثوابت والحقوق التي منحتنا إيّاها الشرعية الدولية ضمن معادلات القوة الدولية والاقليمية ومعادلات موازين القوى بيننا وبين الخصم ويبدون تصلباً تجاه الحقوق الوطنية طبقاً لوثيقة الأسرى التي وافقت عليها حماس. وهنا نتذكر قول نبينا الكريم لأسامة بن زيد عندما قتل خصماً قال قبل موته (أشهد أن لا اله الا الله) ، " وهل شققت عن قلبه ، وأين ستذهب من لا إله إلاّ الله يوم القيامة أمام الله يا أسامه". هذا بالإضافة الى أن حماس فوضت الرئيس عباس بادارة المفاوضات مع الاسرائيليين ، وهي التي تنتقد هذه المفاوضات وتصنفها تحت عنوان تصفية القضية ، حقاً إنه هيلامية المواقف ، وضبابية الرؤيا ، وحالة الإنكار لما في الذات ، وانفصام في المواقف ، وعدم ثبات في الطريق. الوطني الغيور والمحب لوطنه وشعبه هو الذي ينظر لقضايا شعبه ووطنه من كل الزوايا والجهات ، وهو الذي يتألم لدموع كل أم أو أب بفقد ولده في كل اجتياح بحجة الكيان المعادي في غزة ، ويتألم لكل جريح وأسير وعائلته المحرومة منه ، ولكل فقير معدم من أهله ، ويتألم لكل طفل فلسطيني لا يعيش طفولته ، وكل طامح للصلاة في الأقصى ويمنع منها ، ولكل تلميذ يسير طريقاً متلوياً للوصول لمدرسته ، ولأصحاب الشهادات العليا والذين يقبعون في سجون الإحتلال وخاصة من أعضاء الحكومة السابقة وأعضاء المجلس التشريعي وخاصة الدكتور الفاضل عزيز الدويك وغيره. ويتألم لتراجع الثقافة والتعليم والوعي السياسي الذي تميز به هذا الشعب وبدأ يفتقده لصالح شعوب كانت تقف وراءنا مسافة طويلة ، ولكل عاطل عن العمل ويعيل اسرة كبيرة ، ولكل خريج جامعي لا يجد فرصة عمل ويضطر للعمل عاملاً في مزارع اليهود. ولكل قطعة أرض في الضفة والقطاع يستولي عليها الاسرائيليون بينما هو سارح بخياله لاسترداد أرضه من داخل الخط الأخضر وهو يرى الأرض خارجه تلتهمها اسرائيل فلا ينال هذا ولا ذاك. ويتألم لأوضاع الفلسطينيين في العراق ولبنان وما تعرضوا له من اضطهاد وإذلال. ويتألم في تسهيل الهجرة للشباب الفلسطيني الى البرازيل وكندا واستراليا وامريكا. كفانا تعامياً عن الحقيقة المرة وآن الأوان للنظر بمنظور الغيرة الشاملة على الوطن والشعب والأرض وتلمس مصالح الناس والشعور بآلامهم ومصابهم . - مفتاح 5/11/2007 -