في الأيام المقبلة سوف يزداد الحديث عن اللقاء المزمع عقده الذي دعا إليه الرئيس جورج بوش ليبحث كما يقال في الصراع “الإسرائيلي” الفلسطيني و”حل الدولتين”، بالرغم من أن هذا الحديث متواصل منذ دعا إليه الرئيس الأمريكي قبل عدة أسابيع.
الرئيس محمود عباس، وبعد لقائه الأخير مع رئيس الوزراء “الإسرائيلي” إيهود أولمرت في القدس المحتلة في مطلع شهر أيلول/سبتمبر الجاري، أعلن أنه حتى اللحظة لم يعرف مكان أو زمان عقد هذا اللقاء، أو أي الأطراف الإقليمية او الدولية ستحضره. لكن الحديث يدور عن “إعلان مبادئ” يحاول عباس وأولمرت التوصل إليه في لقاءاتهما الدورية ليكون جاهزا حين عقد اللقاء الدولي برئاسة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس التي ستحضر بعد أسبوعين لمراجعة ما توصل إليه عباس وأولمرت. عباس يصر- كما يعلن- على أن يتضمن “إعلان المبادئ” المنشود تصورا لحل ما يسمى “قضايا الحل النهائي- الحدود والمستوطنات واللاجئون والقدس” بينما يرى معظم القيادة “الإسرائيلية” بمن فيها وزيرة الخارجية تسيبي ليفني أنه لا يجب الذهاب إلى هذا الحد من الطموح، على الأقل لأن عباس وأولمرت ولضعف صفتهما التمثيلية غير قادرين حتى على بحث هذه القضايا بله عن وضع ما يمكن التوصل إليه من تصور موضع التنفيذ.
جريدة (الأيام) الفلسطينية التي تصدر في رام الله ذكرت بعد لقاء عباس- أولمرت الأخير أن الطاقم “الإسرائيلي” المشارك في اللقاء طلب على نحو ما تأجيل عقد اللقاء الدولي، لكن مكتب أولمرت قال لا أساس لهذا القول من الصحة. قياديون في حزب أولمرت (كاديما) يطالبون بأن يعرض “اتفاق المبادئ” على قيادة الحزب وأيضا على الكنيست قبل أن يقدم للمؤتمرين في واشنطن. وحسب (هآرتس- 2/9/2007)، حاولت ليفني إقناع رايس، وكذلك سلام فياض في لقائها الأخير معه، بضرورة خفض التوقعات المتعلقة بالمؤتمر، مشيرة إلى أن “توقعات معقولة ستخدم كل الأطراف، بينما أهداف غير واقعية ستؤدي إلى تفجيره”.
مع ذلك، فإن المدقق في الأمر يجد أن الاتفاق بين أولمرت وعباس على عقد المؤتمر موجود وبالقدر نفسه موجود الاتفاق على عقده. فإلى جانب ما تسرب عما طلبه الطاقم “الإسرائيلي” المشارك مع أولمرت من تأجيل للمؤتمر، يمكن أن تستشف موافقة عباس على هذا التأجيل من خلال تأكيده على ضرورة أن يسبق عقده “تحضير جيد من أجل إنجاحه”، وهو ما يؤكد عليه “الإسرائيليون” أيضا. لكن الموافقة على عقده في النهاية لا مفر لأولمرت أو عباس منها إذا ما أصرت إدارة بوش على عقده، حتى لو كانت كل الأطراف تثق بأن شيئا حقيقيا لن يخرج منه. فالمسألة هنا ليست حل الصراع “الإسرائيلي” الفلسطيني أو إخراج “دولة بوش” الفلسطينية إلى الوجود بل أن يظهر بوش قادرا على فعل ما يراه مناسبا للفلسطينيين و”الإسرائيليين” والمنطقة والعالم، كما يفعل ما يراه مناسبا للعراق والعراقيين!
“تخفيض التوقعات” و”تقليص الأهداف” وما شابهها، كلها مصطلحات تحمل معنى واحدا لا غير هو أنه ليس لدى الجانب “الإسرائيلي” ما يعطيه للفلسطينيين حتى لو تعلق الأمر بفتح معبر أو رفع حاجز. كل “الإسرائيليين” يرون أن الضفة الغربية كلها من أملاكهم، ولذلك يسمون أي انسحاب جزئي تافه من هذه الأراضي “تنازلات مؤلمة”! وقد عبرت وزيرة الخارجية الواقعية جدا تسيبي ليفني عن ذلك بصراحة لمن التقتهم من الفلسطينيين والأمريكيين والأوروبيين استعدادا لعقد المؤتمر العتيد بقولها لهم حسب ما جاء في صحيفة (هآرتس- 2/9): “إني لا أؤمن بتصفية أملاك “إسرائيل””!
يبقى في الإطار سؤال مهم: هل تلام ليفني، أو أي من القيادات “الإسرائيلية”، إن تمسكت بمثل هذا الموقف المتشدد؟ ولماذا يتوجب عليها أن تقدم التنازلات، مؤلمة أو غير مؤلمة، لمن يتطوع بتسهيل الأمر عليها؟ كيف للأوروبي، ولا أقول الأمريكي، أن يتعاطف مع الفلسطيني وهو يرى حدود “التعاطف” العربي الرسمي مع الفلسطينيين؟ والأخطر وهو يشاهد على الفضائيات ما يجري وما يصدر عن القيادات الفلسطينية في رام الله وغزة؟ “الإسرائيليون” مستعمرون ومحتلون وتوسعيون وعنصريون وقتلة، ولكن ماذا يمكن أن يقال عن الذين يهيئون لهم ظروف الاستئساد والتمسك بأساطيرهم ويقدمون لهم الذرائع والمبررات للاستمرار في سياساتهم التوسعية والعنصرية المتطرفة؟! علينا كفلسطينيين أولا، وكعرب ثانيا، أن ننظر مليا في المرآة ونرى ما تعكسه من صور بالتأكيد ليست جميلة. - الخليج 12/9/2007 -