الحديث عن مدارس القدس العربية حديث يوجع القلب، كتبنا عنه الكثير، وطالبنا بتصحيح الأوضاع، ولكن يبدو أن أحدا لا يهتم، أو لا يريد أن يهتم أو يعطي خصوصية لوضع المدارس العربية في القدس، التي يتردى حالها يوما بعد يوم، وتقل درجة منافستها لمدارس البلدية، المقصرة دوما هي الأخرى، لكنها بلدية احتلال أولا وآخرا، أما مدارسنا العربية، فالتردي الواضح بها أمر غير مبرر، أمر تحكمه بعض التشنجات، وبعض التدخلات التي تؤدي عادة إلى كثير من "اللغوصات" تنزل التعليم ومستوياته إلى درجات دنيا.
عندما كان أهل القدس فقط هم المسئولون عن مدارسنا العربية، كنا نستوعب 65% من طلبتنا فيها، بالرغم من سوء أوضاع الأبنية المدرسية، ومشاكلنا مع المؤجرين، كنا ندفع إيجارات الأبنية المدرسية في مواعيدها، ونوفر لها احتياجاتها ونصونها بنفس رضية، ونقدم لطلابنا وطالباتنا تعليما متميزا.
أما اليوم فهذه المدارس لا تستوعب أكثر من 13% من طلبتنا، لدينا مشاكل ضخمة في دفع إيجارات الأبنية، وقضايا في المحاكم لتأخرنا في الدفع للمالكين، وتهديدات منهم بإخلاء المدارس، وأبنيتها تحتاج إلى صيانة، والطباخون كثر في أمر الصيانة، وكثرة الطباخين تفسد الطبخة.
وعلى سبيل المثال فإحدى المدارس تعاني من "دلف" منذ عامين نتيجة تآكل سقف بعض صفوفها، وسيدخل العام الثالث ومطر الشتاء يتساقط فوق رؤوس طالباتنا، لم نقم بالعمل حين كان القرار يجب أن يتخذ فورا، وبتكاليف معقولة، وتفاجئنا بأن الروتين يلزمنا بإجراءاته، ويلزمنا بأن تصاب بناتنا بالنزلات الصدرية لعامين متتاليين، ويلزمنا بأن ندفع أكثر من ضعف التكاليف التي كان يمكننا حل المشكلة بها منذ البداية، ويلزمنا بهدر عشرات الآلاف من الدولارات من أموالنا، ندفعها وتبقى المشكلة قائمة، لم نحل مشكلة "الدلف" حتى الآن، وربما سنواجه مشكلة قضائية مع المقاول الذي التزمنا معه ولم ندفع له! وسندفع مقابل ذلك أكثر وأكثر، وسيبقى المطر ينزل "زخا" فوق رؤوس طالباتنا. ذلك أن البيروقراطية تقتلنا، وخلافات المهندسين تقتلنا أكثر، والتهرب من المسئولية تصيبنا بذبحات صدرية وحسرة على أيام زمان، أيام كان التعليم مهنة للإخلاص والتفاني، فأصبح التعليم مرتعا اليوم للخلافات السياسية والفئوية وربما للمنافع الشخصية ... عجبي!
أساتذتنا ومعلماتنا من ذوي الكفاءة يهربون من المدارس العربية، لأن مدارس البلدية تدفع لهم أكثر، وأصبحت مدارسنا مجرد مراكز تدريب تربوية، يصلنا خريجو الجامعات للعمل عندنا دون خبرة، ندربهم ويكتسبون مهارات التدريس لأعوام ثلاثة أو أربعة، ثم يهربون إلى مدارس البلدية وقد أصبحوا مؤهلين، ليتقاضوا هناك ضعف ما ندفعه لهم!
أما الأدهى من ذلك، فتعليمات بيروقراطية تصدر لمواصفات صفوف، وشروط لترخيص أو تجديد تسجيل الجمعيات التي تدير مدارس، شروط وتعليمات لا أنزل الله بها من سلطان، شروط تناسب مدرسة في أوروبا أو أمريكا أو استراليا، ولا يمكنها أن تناسب أو تتناسب مع وضع القدس، وأزمة الغرف الصفية في القدس التي نحتاج فيها إلى 600 غرفة صفية حتى الآن، ونبحث عن غرفة واحدة أو "ياخور" نصلحه لنجعل منه صفا.. وكما يبدو فإن مسؤولي التعليم والترخيص يعيشون في أوهام وأحلام وردية، ولا يعيشون واقع القدس المرير، ولا يريدون أن يسمعوا أو يتفهموا ما هو وضع القدس والتعليم في القدس ويزدادون تصلبا في شروطهم التي يضعونها وهم في أبراجهم العاجية.
ستدخل السنة الدراسية بعد أيام، وما زلنا في مأساة، يتحدثون هنا وهناك عن القدس، لا يعرفون ما هي القدس، ويريدونها عاصمة للدولة الفلسطينية، لا يفكر أحد بإنسانها، يحسدونه على هويته الزرقاء، ويعتقدون أن الجحيم الذي يعيشه المقدسي نعيما.. ولا يعرفون أن طلابنا يدرسون في أبنية غير مناسبة، وغير صحية، ومستوى تعليمنا الذي يحافظ على عروبة جيلنا القادم يتردى يوما بعد يوم، لا يعرفون أن هناك طوابير من أطفالنا الذين بلغوا سن السادسة من عمرهم لا يجدون مدرسة تقبلهم! ولا أحد يفكر بإيجاد مقعد دراسي لهم في أية مدرسة!
الله أسأل لطلابنا سنة دراسية مريحة، سنة لا يعيقهم فيها الجدار، وسنة يستطيع أساتذتهم أن يصلوا إلى مدارسهم، وسنة يتم فيها دفع رواتب الهيئات التدريسية بانتظام، كي يعملوا وهم مرتاحي البال والخاطر، سنة بلا حواجز ولا إضرابات ولا "دلف"، سنة دراسية يصل فيها الكتاب المدرسي في موعده لكل طالب، سنة بلا تهديد بإغلاق المدرسة بسبب عدم دفع إيجارها.. سنة بلا متاعب أو منغصات، فهل هذا الطلب معقول أم أنني أحلم؟
عن شبكة أمين