طريق دمشق – الرياض تشهد حركة خفيفة هذه الأيام، بيد أنها مرشحة لتشهد "زحمة سير" أو ربما "ازدحامات مرورية" مع قرب انعقاد قمة الدوحة العربية الدورية الشهر المقبل.
مدير المخابرات السعودي الأمير مقرن بن عبد العزيز، والذي يقال أنه "عرّاب" المصالحة مع سوريا وأبرز المتحمسين لها في القيادة السعودية، كان في زيارة لدمشق قبل أسبوعين، وبالأمس كان الوزير وليد المعلم في زيارة للرياض وكان في استقباله نظيره السعودي، والذي يقال أيضا بأنه الأقل حماسا لهذه المصالحة، وسط أنباء تتحدث عن قرب قيام الرئيس السوري بزيارة للعاصمة السعودية.
اللافت أن التقارب السعودية – السوري يتزامن مع تصاعد حدة التوتر والتراشق الإعلامي بين الرياض وطهران، وعلى خلفيات عدة، آخرها وليس أهمها، الأزمة بين إيران والبحرين، الأمر الذي يطرح جملة من الأسئلة والتساؤلات دفعة واحدة: هل نحن أمام انفتاح سعودية على "محور الممانعة" بمجمله أم على سوريا وحدها؟...هل الهدف تجاوز الخلافات والمحاور والخنادق، أم استرجاع سوريا من قبضة الهيمنة الإيرانية كما يقول المعتدلون العرب؟...ماذا إن بقيت العوائق والحواجز على طريق طهران الرياض، هل ستظل طريق الرياض – دمشق سالكة، وفي الاتجاهين معا؟
من الواضح تماما أن التقارب السوري – السعودي ليس بعيدا عن مناخات الانفراج بين المحاور الإقليمية المواكبة لمناخات الانفراج أوسع، تشيعها المراجعات "الديمقراطية" للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، والتي انطلقت بقوة مع صعود نجم باراك أوباما وتربّعه على سدة البيت الأبيض، بيد أنه ليس انعكاسا مباشرا لها، ولا هو مشروط بها، وقد سبق للعلاقات السورية – السعودية أن شهدت ازدهارا وانتعاشا واضحين، حتى في الأزمنة التي كانت فيها العلاقات بين طهران والرياض في أسوأ حالاتها.
ومما لا شك فيه، أن السعودية تريد أن تنتزع دمشق بعيدا نسبيا عن إيران، بيد أن للرياض مآخذ وتحفظات على السياسة السورية بذاتها، وليس لارتباطاتها الإيرانية فحسب، بل وأكاد أحزم بأن أسباب الخلاف السوري السعودي المباشرة، قد تكون أوسع وأعقد (وأكثر حساسية وشخصانية) من أسباب الخلاف السعودي الإيراني، لكن الرياض قررت تحت وقع المذبحة المحرجة في غزة، ونتائج الانتخابات الإسرائيلية والرياح الدولية الجديدة التي تهب على الإقليم، أن تتجاوز ما هو شخصي في علاقاتها مع القيادة السورية، وأن تشرع في بحث ملفات الخلاف والاختلاف الثنائية والإقليمية بين العاصمتين العربيتين.
دمشق لا تشترط تحسن علاقات المملكة بالجمهورية الإسلامية لكي تقيم علاقات وثيقة معها، بل أن المراقب للأداء السوري قد يخلص إلى نتجية مغايرة تماما، فسوريا لعبت على مخاوف الخليج من إيران في سنوات وعقود سابقة، مثلما لعبت على حاجة إيران لحليف عربي، وقدمت نفسها كوسيط وضامن للمصالح العربية في الخليج في مواجهة المد الإيراني، وكجسر لإيران لعبور المنطقة العربية، وهي لم تشترط سابقا على دول الخليج أن تحسن علاقاتها مع إيران، وليس ثمة ما يدعو للاعتقاد بأنها ستفعل ذلك الآن.
إن تحسنت العلاقات الخليجية (السعودية أساسا) – الإيرانية، وجدت دمشق نفسها مستفيدة من هذه المناخات، وإن ساءت، وضعت نفسها تحت تصرف الأفرقاء كجسر تواصل وناقل رسائل ووسيط "نزيه" بين أشقاء وأصدقاء مقربين.
وفي ظني أن سوريا في وضع اليوم يؤهلها لمد يد تعاون قوية مع السعودية، وفي العديد من ملفات المنطقة، وهي مستعدة الآن، كما كانت قبل عامين، لتسخير علاقاتها الفلسطينية واللبنانية بل وتطويعها، لخدمة أهداف التقارب مع المملكة أو كعربون له، شريطة أن تبدي المملكة في المقابل، تفهما عميقا لحساسيات سوريا وحساباتها ومخاوفها في لبنان وفلسطين والمنطقة عموما، ولمن يساوره الشك في هذه الفرضية نقول أن "اتفاق مكة" قدّم على طبق من فضة للمملكة، وكعربون صداقة وحسن نوايا معها، وهو الاتفاق الذي كان منجزا أو شبه منجز في دمشق، ولم يكن دور "مكة" فيه سوى احتضان حفل التوقيع، كما نُحيل المشككين والمتشككين بهذه الفرضية، إلى اتفاق الدوحة وانتخاب ميشيل سليمان وما تلاهما من تطورات مشجعة على الساحة اللبنانية، كانت "الإيجابية" السورية فيها، دفعات على حساب التقارب مع باريس أولا، ومع الرياض في المقام الثاني، وصولا إلى واشنطن في نهاية المطاف.
الخلاصة أن طريق دمشق - الرياض سيشهد حركة سير مكثفة خلال المرحلة المقبل، وستتفرع عنه طريقان رئيسان، واحد باتجاه القاهرة، والثاني باتجاه أنقرة، وقد يأتي اليوم الذي يصبح فيه "اللقاء الرباعي" بديلا عن اللقاءات الثلاثية التي طالما شهدتها القاهرة والاسكندرية بين قادة مصر وسوريا والسعودية، ولكن بمشاركة تركية نشطة محتملة هذه المرة.