كافة التقارير التي صدرت عن المؤسسات الحقوقية الفلسطينية وغير الفلسطينية تؤكد أننا بعيدين كل البعد عن ما يسمى بحرية الرأي والتعبير في الأراضي الفلسطينية، والمقصود هنا كل الأراضي الفلسطينية بعيداً عن الانقسام السياسي الحاصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتغني بعضنا بأننا أفضل من بعض الدول العربية وإن كان صحيحاً بعض الشيء إلا أننا نواصل فقدان النقاط بهذا الخصوص وبشكل مستمر.

حتى أن بعض الفضائيات العربية التي لا تمارس الحيادية وتدعم طرفاً ضد آخر فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، اضطرت لعرض مشاهد من طرفي الوطن للتأكيد على استمرار الانتهاكات التي يتعرض لها المواطن الفلسطيني سواء على خلفية الانتماء السياسي، والأهم من ذلك هو عدم القدرة على ممارسة حرية الرأي والتعبير حتى فيما يخص الإعلام الفلسطيني المحلي، وكذا الحال فيما يخص العاملين في الإعلام العربي والغربي من الفلسطينيين.

لا زلنا نتبع لنفس العقلية العربية التي لا تعرف سوى القمع، ولا شيء غير ذلك، وكما قيل قديما "أنا أفكر إذاً أنا موجود" يبدو أنه في حالتنا الفلسطينية أنا أستطيع أن أفكر فقط، ولا يعني ذلك بالضرورة أنني موجود كونني لم أعد أستطيع أن أفكر بصوت مرتفع لمشاركة الآخرين وبالتالي لم أعد موجود! هذا وضع معيب جداً لجميع من يسمون أنفسهم أهل السياسة والثقافة والعلم وحتى صناع الرأي هذا إن وجد لدينا مثلهم أصلاً.

رغم الحفاظ على أهمية تواجد السياسي والمثقف والصحفي على وجه الخصوص بكل المؤتمرات والاجتماعات في المحافل الدولية، إلا أنه لم يعد باستطاعتنا التباهي بوجود فضائيات، وصحف يومية وأسبوعية، وأكثر من مائة محطة إذاعية وتلفزيونية خاصة في هذه البقعة الصغيرة من العالم، كون ذلك لا يعني مطلقاً أننا نحظى بحرية الرأي والتعبير التي نريد، والتي منحنا إياها القانون الأساسي في بلدنا (المنقسم حاليا إلى بلدين!).

إن كنا ندعو للمصالحة الداخلية، فيجب على كل القيادات السياسية وغيرها الأخذ بعين الاعتبار أن استعادة الوحدة يجب أن تعني على وجه الخصوص تفعيل دور القضاء الفلسطيني بشكل حقيقي وليس شكلي ووهمي، وأن يؤخذ بعين الاعتبار أن حرية الرأي والتعبير هي مقدسة وكفلها لنا القانون، وبالتالي يجب أن يدافع عنا القضاء التي سيعاد تفعيله ويكون نزيهاً بشكل لا لبس فيه.

فإن كان الوضع الفلسطيني لا يحتمل إلا المصالحة، فالوضع لا يحتمل أيضاً إلا احترام العقول الفلسطينية على اختلاف مشاربها، في السياسة والعلوم والإعلام، ولماذا لا يقدر لنا التغني بفلسطين ديمقراطية، تصون الحريات، يعيش فيها الإنسان بكرامة، بعد أن عاش طوال عمره يتغنى بالكرامة فقط في وجه الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي يحق لنا التغني بها في إطار بيتنا الفلسطيني، فعملوا على ذلك بالسرعة الممكنة، والجدية المطلوبة لتحقيق ذلك، رغم أنني لا زلت أشك في الأمر!