ما حدث في قطاع غزة، وما حدث قبله، بل ما يحدث اليوم في الساحة الفلسطينية ليس إلا صراعا ساخنا على تمثيل الشعب الفلسطيني، والنطق باسمه في المحافل المحلية والعربية والدولية. هو حقا صراع ساخن، بل مدمّر أريق خلاله دم غزير، وقيلت في تفسيره والتعليق عليه عبارات وشروح لم تكن بالضرورة مباشرة وصريحة، ولكنها رغم ذلك ظلّت كل مرّة تحمل المغزى الخلفي وراء كل اختلاف يثور بين القوتين المتنازعتين السلطة الوطنية الفلسطينية وفتح من جهة وحركة حماس من جهة أخرى.
صحيح أن الصراع يدور اليوم تحت عناوين كبرى أشهرها المقاومة، لكن الصحيح أكثر أن تلك العناوين ليست سوى التعبير «البارع» عن النيّة في التفرّد على أمل أن يستحق الطرف «المقاوم» الصفة التمثيلية وأن يتمكن من إزاحة الطرف الفلسطيني الرّسمي بعد وصمه بالتخلي عن المقاومة، وقد كان لافتا في «مؤتمر الدوحة» الأخير حضور قيادات فلسطينية ليس من عادات القمم العربية ولا بروتوكولها توجيه الدعوة لهم، ما يذهب بنا بالضرورة إلى ربط هذا الحضور بالصراع الذي نتحدث عنه، وهو ربط قال قيادات من الذين حضروا الدوحة ما يؤكده حين صرّحوا لقناة الجزيرة أن «محمود عباس قد خطف منظمة التحرير الفلسطينية» وأنهم «يعملون على استعادتها».
هو بكل المقاييس دفع بالصراع إلى حدوده القصوى التي توارت كثيرا خلف عناوين جزئية، جانبية، وقد رأينا هذا الانكشاف في صورته الأوضح في الصراع الذي نشب مؤخرا حول مسألة إعادة الإعمار والجهة التي يجب أن تتولّى الإشراف عليه، ففيما يعترف العالم كله بجهة رسمية واحدة وحيدة هي السلطة الفلسطينية، شنت حركة حماس هجوما إستباقيا شرسا وشاملا ضد تفويض السلطة بالإشراف على إعادة الإعمار بدعوى «الفساد» وهي مقولة قديمة جديدة لا تتصل هذه المرّة بالفساد ذاته قدر تأشيرها على المعنى السياسي للتكليف بإعادة الإعمار كمسألة تمثيلية. وقد كان لافتا في هذا الصراع دخول مسؤولين رسميين إيرانيين على الخط وإدلاء بعضهم بتصريحات تحريضية تجاوزت ذلك إلى مطالبة الرئيس أبو مازن بالخروج من الرئاسة لأنه من وجهة نظرهم «يفتقد للشرعية».
ذلك يعيدنا من جديد إلى المربع الأول، خصوصا وقد أكد بعض قادة حماس أن حماس لن تسمح بإعادة الإعمار إذا لم تشرف هي عليها، وهي تصريحات تعيد إخضاع مصير المواطنين الفلسطينيين لاشتراطات محض حزبية وليست لهم أية علاقة أو مصلحة فيها.
من الواضح أن استمرار الجدل عبر الفضائيات والصحــف لـــن يوصـــل أحدا إلى مبتغاه السياسي، مثلما لن يوصل الحالة الفلسطينية إلى لحظة التعافي، ذلك أن التراشـق بهذا الكم الجارح من الإتهامات لن تكـــون لــه سوى واحـــدة هي ازدياد الشقة واتساع الخلاف، في حيــن يبتعدون عن الطريق الوحيد الممكن طريق الحوار المبــاشر، ومـــن بعـــده الاحتكـــام لرأي الشعب الفلسطيني من خلال إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية يمكـــن عبــــرها إعــادة بعث وتأسيس المؤسسات الوطنية المشتـــركة والقادرة على إدارة كل الشؤون المتصـــلــة بحيــاة الفــــلسطينييــن ومستقبلهـــم السياسي.
أعتقد أن أي مسعى يقفز عن الخيارات الديموقراطية، السلمية والمؤسسة على الحوار سيكون مسعى انقلابيا مهما اتخذ من أشكال وتعبيرات لأنه سيظل تعبيرا عن وجهة نظر أحادية تحتاج إلى فحص تعبيرها عن رأي الأغلبية الشعبية كي يمكنها أن تكون رسمية ومعتمدة وقابلة لأن تشكل القاسم الوطني المسلّم به من الجميع، والقادر على زج كل الجهود والطاقات الفلسطينية في إطارها وعلى كل الصعد وفي كافة المجالات.
من المؤسف أن تبتعد الإرادة الفلسطينية عن ذلك وأن تتلهّى في الشوارع والأزقة الجانبية غير المجدية بمواصلة كيل التهم والبحث عن طرق للتفرّد، خصوصا وأننا نعيش مرحلة ما بعد محرقة غزة الفاشية التي لا يجوز لأحد المرور عليها سريعا وبفهم سطحي عابر، ولا يدرك أن زلزالا قد وقع يتوجب معه الوقوف طويلا لتأمّله واستخلاص عبره.
تفترض المسؤولية من الجميع الخروج من هذه الحالة ورؤية المخاطر الجدية التي تحيق بالجميع، والأهم منهم بالمشروع الوطني، بل بمجمل الوجود والمصير الفلسطينيين، وهي مخاطر باتت واضحة لكل ذي عين ترى وبصيرة تقدر على الفهم والمحاكمة.
عن صحيفة الحياة اللندنية