من القمة العربية في الكويت التي انتهت الى نصف مصالحة بفعل الدم الفلسطيني المراق، تحضر القضية الفلسطينية في دافوس هذه السنة بكثير من الخفر، بعدما طغت الأزمة المالية العالمية على جدول اعمال "المنتدى الاقتصادي العالمي" لسنة 2009. والحال ان المؤتمر يسجل هذه السنة مشاركة قياسية تتجاوز 1400 من رؤساء كبرى الشركات العالمية، وعشرات رؤساء الدول والحكومات والوزراء.

واللافت ان كلا من الصين وروسيا تحضر بقوة بمشاركة رئيسي حكومتي البلدين وين جياباو وفلاديمير بوتين ومعهما وفدان كبيران، في حين يغيب اي مسؤول من الادارة الاميركية الجديدة، مما يحرم المشاركين الاطلاع على تفكير هذه الادارة وخططها المستقبلية على اكثر من صعيد، من الاقتصاد الى السياسة الخارجية. لكن المسؤولين عن المنتدى اوضحوا ان سبب عدم مشاركة اي مسؤول من الادارة الاميركية الجديدة يعود الى ان الرئيس باراك اوباما لا يزال في خطواته الاولى، ويريد ان يعلن شخصيا القرارات الكبرى، ولا سيما على مستوى التغييرات الجذرية المتوقعة التي تفترق عن نهج الادارة الاميركية السابقة.

على مستوى الازمة المالية العالمية التي تطغى على عشرات الندوات المنعقدة في اطار المنتدى، يمكن المشارك التقليدي في مؤتمرات المنتدى ان يلاحظ حجم التبدل الذي طرأ في الخطاب، والمقاربات. فقد ولّى زمن التغنّي بالعولمة، وبقوانين الاسواق المالية المتحررة من كل قيد. وفعلت الازمة المالية العالمية فعلها الى حد يصل بالمنتدى الى درس حدود تدخل الحكومات في السوق المفترضة حرة من كل تدخّل. فمن نتائج الازمة انبعاث الدولة كشريك وناظم وضامن للاسواق المالية. وتجلى ذلك في حجم "التأميمات" التاريخية التي اضطرت اليها الادارة الاميركية الجمهورية، ومثلها الحكومة البريطانية التي دفنت "التاتشرية" في اقل من شهرين!

ماذا عن الشرق الاوسط؟

يتردد الحديث عن مأساة غزة بين المشاركين العرب. وهم يطلعون زملاءهم الاجانب على ما حصل. وفي هذا المجال يجول الامين العام لجامعة الدول العربية بين المشاركين البارزين ليرفع الصوت العربي، لا سيما انه يدرك ان الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس موجود هنا ايضا لخوض معركة علاقات عامة ضد الصوت العربي، الذي يغيب منه الصوت الفلسطيني بغياب اي شخصية بارزة من السلطة الفلسطينية.

وبيريس معتاد لعبة العلاقات العامة في المحافل الدولية، فضلا عن انه يتحرك في هذا المحفل المركزي بكثير من السلاسة. ويجازف هذه السنة بلقاء مقفل مع اعضاء "مجلس الاعلام العالمي" المعتبر بمثابة ناد نخبوي منبثق من المنتدى، وهو العارف انه سيقابَل بمواقف واسئلة قاسية ليس من اعلاميين عرب بارزين، بل ايضا من اقلام عالمية رفيعة المستوى!

ويشعر المراقب ان الدم الفلسطيني لم يفعل فعله بالقدر المأمول. فلا حديث سوى عن الازمة المالية العالمية. حتى العرب، وبالتحديد الخليجيين، يركزون اهتماماتهم على الازمة المالية في العالم العربي، وتجربة دبي، جرس الانذار الذي يصدح في ارجاء الوطن العربي، تماما مثل الخلافات السياسية العائدة الى الاستقطابات الخارجية للعرب.

في دافوس 2009، مؤسف بعد مجزرة غزة ان تكون قضيتنا المركزية شبه غائبة. ولكن هل نلوم الآخرين ولا نصلح ما في انفسنا؟ اما لبنان، الذي يصفه اعلامي عربي هنا بالقرية العالقة في حلقة، فعدا مجموعة صغيرة من المشاركين المخضرمين تلتقي كل عام، يبدو الغياب الرسمي فاقعا، يعوضه بعض الشيء رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي الذي يشارك للمرة الاولى في المؤتمر، حاملا "وسطيته" حتى الى داخل الندوات، وحلقات النقاش! لكن هذا حديث آخر...

عن صحيفة النهار اللبنانية