"حينَ تبدو السماءُ رماديَّةً
وأرى وردةً نَتَأتْ فَجأةً
من شقوقِ جِدارْ
لا أَقولُ: السماءُ رماديَّةٌ
بل أُطيلُ التفرَّسَ في وردةٍ
وأقولُ لها: ياله من نهارْ!"
محمود درويش
يأتي مهرجان "شاشات لسينما المرأة" في فلسطين هذا العام، وهو المتواصل بشكل دوري سنوياً منذ أربعة أعوام؛ ليرسِّخ البعد التنويري، في المشهد الثقافي الفلسطيني، ويساهم في إنتاج ثقافة بديلة، نحن أحوج الشعوب إليها، في هذه الفترة التاريخية حالكة السواد، التي يعيشها شعبنا الفلسطيني.
تثق "شاشات" بقدرة الثقافة، وفي القلب منها السينما، على إتاحة فضاءات واحتمالات للمساواة بين المرأة والرجل، حيث تتيح للمرأة فرصاً اجتماعية واقتصادية، تكفل لها التقدم والحياة الكريمة وإمكانيات الإبداع غير المحدودة.
من خلال سينما المرأة، تعبر النساء عن أنفسهن: كاتبات سيناريو، ومخرجات، وممثلات، ومنتجات، ومصصمات ملابس، ومصممات ديكور. ونلمس من خلال أفلامهن، حساسية للنوع الاجتماعي، والتقاطاً لأدقّ التفاصيل في مجتمعاتهن، وتعبيراً عن حاجة هذه المجتمعات إلى الأمان الإنساني.
وفي الوقت الذي يمعن فيه العدو، في تمزيق لحم الوطن؛ تسنهض الثقافة طاقات الإنسان، وتمدّه بإمكانات لا محدودة لمقاومة الشرذمة، والانقسام، من خلال التواصل والتفاعل، بكل ما تتيحه أشكال الثقافة الخصبة المتعدِّدة والمتنوِّعة، وكل ما تتيحه ثورة المعلومات، من وسائل اتصال حديثة.
تتيح الثقافة للإنسان أن يبني عالمه الخاص؛ ليجد بديلاً للعالم الواقعي، البائس والشقيِّ والمفتِّت. ينهض الشعر وتنهض الرواية، والقصة القصيرة، والفن التشكيلي، والفنون البصرية، والمسرح، والسينما، وغيرها من الأشكال الثقافية؛ لتشكِّل سوراً واقياً، وجسراً للتواصل، ليس بيننا وبين أهلنا في كل بقاع الوطن الممزَّق فحسب؛ بل بيننا وبين أنفسنا؛ فنحتمل ونستمرّ. طوَّرت "شاشات" عملها مع المجتمع المحلي، فواصلت شراكتها الفاعلة مع مدينة نابلس، من خلال "جامعة النجاح الوطنية"، ومع مدينة بيت لحم، من خلال "مركز السلام".
كما كوَّنت شراكات أخرى، مع أكثر من مائة مؤسسة، من أجل تعميم الثقافة السينمائية، والوصول إلى المناطق الثقافية المهمَّشة، عبر "برنامج سينما للجميع"، حيث تمَّ تنظيم أكثر من 500 عرض، في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، وقراهما ومخيَّماتهما.
وصلت "شاشات" بين أجزاء الوطن، ووصلتها بالعالم العربي والعالم الكوني، بالعروض السينمائية، والورشات التدريبية، والمنح الدراسية، والمهرجانات العالمية، والمؤتمرات السينمائية العالمية والإقليمية، وبإرسال رزم من أعمال سينمائية فلسطينية، إلى المهرجانات.
وتحقيقاً لرؤية شاشات، وأهدافها في تطوير القطاع السينمائي الفلسطيني، قامت هذا العام بإنتاج مشترك، مع "معهد غوته الثقافي الألماني"، برعاية مخرجات فلسطينيات موهوبات، قدَّمن سبعة أفلام قصيرة، ضمن عنوان "بوح"، عبَّرن فيها عن ذواتهن، بحرِّية وجرأة وجسارة، وحساسية للنوع الاجتماعي.
تتحرَّك الشابات في الأفلام القصيرة الطموحة، ضمن وعي للعالم الذي يضيق عليهن، ويقيِّد حركاتهن وخطواتهن. يرصدن هذا العالم بعيونهن، لا بعيون أب أو زوج أو أخ، فيكون الفن وسيلتهن للتعبير عن ذواتهن، وأداة من ادوات تحرِّرهن.
تنفتح عين الكاميرا، وتتواصل مع عيونهن، لتقدِّم رؤية جريئة لتفاصيل حياتهن اليومية، بعفوية وصدق، وتشتبك مفاهيمهن مع ذواتهن أولاً، ومع أفكار مجتمعهن ثانياً.
ومن الملاحظ، عند مشاهدة الأفلام، أن المخرجات الطموحات، ساهمن في كتابة سيناريو فيلم "بالمول"، وقمن بالتمثيل، والتصوير، كما نلاحظ عند مشاهدة فيلم "رهف"، اشتراك رجل وامرأة، في إخراج فيلم يحمل رؤية نسويه نقدية، لعلاقة المجتمع بالمرأة؛ ما يعطي الفيلم بعداً مجتمعياً، وليس نسائياً. (يحصر المجتمع المرأة في الدور الإنجابي، دون أن يرى أدوارها الأخرى المتعدِّدة، ويجعل الزواج شرطاً لنجاحها في حياتها.
يبدأ الفيلم بأغنية تعبِّر عن رغبة الأم في عثور الطفلة على عريس مناسب، كي تنجح في حياتها. وحين تفشل الطفلة الشابة، في تحقيق أمل الأسرة في الزواج، في الزمان والمكان المحدَّدين؛ تحكم عليها أسرتها بالفشل في الحياة. وينتهي الفيلم بلقطة معبِّرة، للمرأة التي بلغت سن الشيخوخة، وهي تستمع، من خلف قضبان غرفتها، إلى الأغنية نفسها، تغنيها أم شابة لابنتها الطفلة).
أبرزت الأفلام القصيرة، البعد الإنساني لحياة شعبنا، فشاهدنا شبابنا في لحظات مرحهم وجدِّيتهم، وفي لحظات عبثهم وحزنهم، وفي لحظات حلمهم بالتحرِّر والانطلاق، وحين قدَّموا رؤية نقدية للثقافة السائدة.
إن شعبنا يحلم بحياة مستقرة آمنة، دون احتلال، وبدولة حرّة مستقلة، على أرضها يبني، ويعمِّر، ويبدع، ويضيف لبنة إلى التراث الإنساني.
ما زال أمام المخرجات الواعدات طريق طويل. طريق الفن بأشواكه ووروده. ما زال أمامهن كثير من العمل الجاد الدؤوب: القراءات النظرية، والتطبيقات العملية، ودراسة الواقع بعمق، والانفتاح على التجارب العربية والعالمية، والتعلِّم من النقد الجاد لما قدَّمن من تجارب؛ حتى يتسنَّى لهنَّ المساهمة في الإنتاج الثقافي. إنها خطوة واثقة في طريق الألف ميل.
وبعد، وحتى لا نزداد اختناقاً، وحتى نحتمل ونستمرّ، وحتى لا تنكسر الروح؛ لندافعْ بكل ما أوتينا، عن جبهتنا الأخيرة، عن الماسة التي تضيء ذواتنا، عن جبهة الثقافة.