ما يثير الأسى والحزن والغضب في آن واحد ، أن سلطات العدو الصهيوني تعمل وبوتيرة متصاعدة على تهويد القدس ، وتشديد الحصار على غزة ، في الوقت الذي تتعمق فيه الخلافات بين فتح وحماس ، عبر الاتهامات ، والاتهامات المضادة التي يتبادلها الطرفان عبر الفضائيات ، في مشهد كئيب محزن يؤشر على تردي الحالة الفلسطينية ، وتصدع الصف ، وانهيار المشروع الوطني ، فيما العرب قاطبة يلتزمون الصمت المريب ، وكأن القدس ليست من لحمهم ودمهم ، وكأن الأقصى ليس بالقبلة الأولى وثالث الحرمين الشريفين.
لقد قامت سلطات الاحتلال مؤخرا ، بتسليم مجموعة كبيرة من المواطنين الفلسطينيين من سكان سبعة أحياء ، وهي أحياء صور باهر ، جبل المكبر ، سلوان ، العيسوية ، بيت حنينا ، شعفاط ، والشيخ جراح ، أوامر بإخلاء بيوتهم ، تمهيدا لهدمها لأنها بحسب ادعاءات هذه السلطات بنيت بدون ترخيص ، وبالفعل بدأ العدو الصهيوني بتنفيذ مشروعه الإجرامي ، حيث قام بطرد عائلة أم كامل الكرد ، من بيتها عنوة في حي الشيخ جراح ، وطلب من 28 عائلة أخرى تقيم في الحي بضرورة المغادرة ، قبل أن تقوم الجرافات بهدم البيوت على رؤوس ساكنيها ، علما بأن الأرض المقامة عليها هذه البيوت هي أرض استأجرتها وكالة الغوث "الأونروا" من الحكومة الأردنية في أوائل الخمسينات لإيواء اللاجئين ، الذين طردتهم العصابات الصهيونية ، من بيوتهم في القدس والقرى العربية المجاورة عام ,1948
الإجراءات العدوانية الإسرائيلية هذه تستهدف إقامة أحياء استيطانية جديدة ، وتوسيع مستوطنات قائمة على أنقاض المنازل المنوي هدمها ، حيث من المتوقع إقامة حي استيطاني جديد يضم 250 وحدة ، على أنقاض منازل حي الشيخ جراح ، التي أمر العدو أصحابها بإخلائها ، وفي المقابل تمنع سلطات العدو المواطنين الفلسطينيين من البناء في أرضهم ، أو توسيع بيوتهم لمواجهة احتياجاتهم الطبيعية ، حيث قدرت أوساط فلسطينية احتياجات أهالي القدس من 25 إلى 30 ألف وحدة سكنية ، لاستيعاب الزيادة الطبيعية في السكان.
وجاءت أوامر وزير حرب العدو الجنرال باراك ، كما نقلت هارتس في 15 ـ 10 بتوسيع المستوطنات ، واستعراض أسماء المستوطنات التي أقيمت فيها الوحدات السكنية الجديدة ، ليؤكد أن العدو ماض في سياسة التهويد ، مستغلا الظروف الدولية ، وخاصة الكارثة الاقتصادية ، وانشغال العالم وبالذات أميركا والدول الأوروبية بهذه الكارثة ، بعد أن غرقت بالكساد ، إضافة إلى المتغيرات في الساحة الإسرائيلية ، والانقسامات الفلسطينية.
لا داعي للرجوع إلى التاريخ القريب والبعيد للاستشهاد والاستنباط وضرب الأمثلة ، وتزجية العبر والعظات ، فكل ذلك معروف للمتخاصمين ، ولغيرهم ممن آثروا الصمت المريب ، فيما جرافات الحقد الصهيوني تغتال التاريخ العربي ، ووجه الأمة في القدس ، وتحكم على أكثر من 1,5 مليون عربي في غزة بالموت المحقق ، وكأنهم ليسوا من أهلهم ولا من أبنائهم ، فيما المنظمات الدولية "تدب الصوت" وتحذر من الكارثة التي بدأت فصولها ترتسم في القطاع ، بأبلغ تعبيراتها بانقطاع الكهرباء ، والمواد الغذائية والطبية والعلاجات ، والماء الصالح للشرب ، ودبابات العدو تحكم طوق الموت على كل فلسطين.
وأخيرا...ما يحدث في القدس وغزة وما يتعرض له الأقصى ، وحملة التهويد التي بلغت ذروتها ، تفرض على الجميع ، وخاصة الفصيلين المتناحرين ، العودة إلى الحوار ، والاحتكام إلى الشعب الصابر ، الذي قاسى ويقاسي من أبشع احتلال استئصالي عنصري في التاريخ ، ومن خلافات وانقسامات أجهضت أحلامه وحقوقه سابقا ونخشى أن يكرر التاريخ نفسه.
عن صحيفة الدستور الأردنية