انتهى مهرجان الرقص المعاصر في رام الله ولم تنته موجة الجدل التي تصاحبه كلَّ عام بين مؤيد ومعارض. وحجة منتقديه الأوضاع المأسوية التي يعيشها أبناء الشعب الفلسطيني بفعل الاحتلال الإسرائيلي وإرهابه المتمادي وبطشه المتواصل والخناق المحكم الذي يحاصر به حياة الفلسطينيين اليومية، سواء بواسطة جدار الفصل العنصري أو بواسطة مئات الحواجز المنتشرة على الطرق والمفترقات الحساسة والتي لا وظيفة لها سوى تعطيل حياة الناس وشلّ حركتهم وتضييع وقتهم ومنعهم من التواصل.
إذ بسبب الجدار والحواجز بات المواطن الفلسطيني - صاحب الأرض إذا كان ثمة من يتذكر - يحتاج الى ساعات طوال وتصاريح «أطول» لقطع مسافة تحتاج عادة الى دقائق معدودات. وكل ذلك يمارسه الاحتلال الإسرائيلي عن سابق تصور وتصميم لأسباب لم تعد خافية على أحد، ومن ضمنها حرمان الفلسطينيين من أبسط حقوق العيش الإنسانية سعياً الى كسر إرادة المقاومة التي تتخذ لديهم أشكالاً متنوعة ومختلفة، وإبداعية في كل مجالاتها.
أقول أشكالاً متنوعة ومختلفة للمقاومة ومن ضمنها طبعاً الآداب والفنون، ولقد برع الفلسطينيون في جعل أدوات التعبير الإبداعية وسائل لتأكيد الذات وإثبات الهوية سواء في الشعر والرواية أم في الموسيقى والتشكيل، ولا يتسع المجال لذكر عشرات الأسماء الرائدة في هذا المجال، والتي ساهمت في الحفاظ على الوجدان العام أو في إبراز الخصوصية الفلسطينية أو في إحياء الذاكرة الجماعية التي يسعى الاحتلال الى طمسها ومحوها والاستيلاء عليها، وليس أدلّ على هذا السعي «لاستيطان» الذاكرة من المحاولات الاسرائيلية الحثيثة لسرقة الفولكلور الفلسطيني في مجالات كثيرة وتقديمه بوصفه «فولكلوراً إسرائيلياً»، بل بلغت الوقاحة الاسرائيلية حد الاستيلاء على التبولة والفول اللبنانيين والإدعاء أنهما جزء من «المطبخ الإسرائيلي» المزعوم.
قد يبدو الأمر بسيطاً ومضحكاً في نظر البعض، لكن لا شيء بسيطاً أو مضحكاً في هذا الصراع الضاري والطويل - والأبدي في قناعتي ما دام الاحتلال قائماً - مع إسرائيل التي لا تترك تفصيلاً مهما كان بسيطاً وعادياً إلا وتعمد الى استغلاله في سعيها المحموم الى إنكار الهوية الفلسطينية، وانتحال شرعية مزعومة لوجودها القائم على احتلال الجغرافيا والتاريخ معاً والاستيلاء على الماضي والحاضر أملاً بالاستيلاء المستحيل على المستقبل الذي لن يكون إلا لأصحاب الحق، خصوصاً إذا أدركوا - وهم يدركون - أن استعادة هذا الحق تتم بأشكال ووسائل نضالية متعددة، من بينها بالتأكيد الأشكال والوسائل الفنية التي تُبرز تمسك الفلسطينيين لا بأرضهم ووطنهم فحسب، وإنما أيضاً بحقهم في الحياة الطبيعية الحرة المتنوعة. وهنا تكمن أهمية الفعاليات الإبداعية في سياق النضال الفلسطيني المتنوع ضد الاحتلال الاسرائيلي وبطشه وطغيانه.
يقول أفلاطون «الموسيقى تقولب السلوك، ولذا فهي تساهم في تحديد القضايا الاجتماعية والسياسية»، وإذا كان للموسيقى حقاً هذا المفعول فإن الأمر ينسرح كذلك على الفنون المرتبطة بها وفي مقدمها الرقص. ولمن اعترته دهشة، أقول، أليست الدبكة - وهي شكل من أشكال الرقص الجماعي - تعبيراً صريحاً واضحاً عن الهوية الوطنية؟ ألا تدل هذه الدبكة أو تلك على انتماء راقصيها الى هذا البلد أو ذاك؟ ألا تستطيع أجساد الراقصين وحركاتهم وخطواتهم أن تكون صرخة هائلة في وجه الاحتلال وتأكيداً على الانتماء، ألم تصدح فيروز ذات أغنية: «خبطة قدمكم عالأرض هدّارة»؟
تهدُر خبطات الفلسطينيين على أرضٍ هي «سيدة الأرض» كما أسماها محمود درويش، وعليها ما يستحق الحياة، وما مهرجان رام الله، بأبناء البلد أو بضيوفه القادمين من مدن الدنيا وأصقاعها، إلا احتفاء فلسطيني بحق الحياة، وتأكيد على أن هذا الشعب العظيم، شعب الجبارين فعلاً، يستحق الحياة ويقاتل لأجلها بمختلف الأشكال وبكل الأدوات، ومن ضمنها أدوات التعبير الفني التي تخيف الاحتلال تماماً مثلما تخيفه أدوات القتال الأخرى. ألم يشر درويش أيضاً الى خوف الغزاة والطغاة من الذكريات ومن الأغنيات.
في قصيدة أهديتها الى محمود درويش قبل سنوات، قلت له، ومن خلاله للإنسان الفلسطيني: «... في الصباح لكَ أن ترشق الجندي بحجر/ أن تقطف وردة لعاشقة الورد (...) أن ترفع صوت الموسيقى عالياً/ أن تخفف قليلاً وطأة هذا الاحتلال/ لكَ أن تفعل ما تشاء/ صدّقني يليق بك الصيف مثلما يليق بك الشتاء/ إذاً لك أن تقاتل ولكَ أن تغني (...) غنِّ/ غناؤك يعكّر مزاج الجنرال/ غنِّ/ ليس الحزن ما يجعلك استثنائياً/ بل دفاعك الرائع عن معنى الحياة».
لفلسطين أن تقاتل، أن تغني، أن ترقص، أن تفرح، أن تخفف ولو قليلاً وطأة الاحتلال البغيض، ولها أن تحيا حرةً مستقلة، ليس الفرح (ولا الفن) نقيض الحياة، بل برهانها.
عن صحيفة الحياة اللندنية