لم يفاجئني حلول فلسطين في المرتبة الحادية عشرة على مستوى العالم، والأولى على مستوى العالم العربي على صعيد تدهور حرية الرأي"الإعلام والصحافة" وذلك بناءً على الدراسة التي أعدتها منظمة "مراسلون بلا حدود". وهذا تراجع سريع وواضح للمتابعين والمهتمين بقضية الحريات، رغم تبرير المنظمة " مراسلون بلا حدود" الأسباب المتمثلة في نتائج الصراع والنزاع بين حركتي فتح وحماس وما رافقه من فصل سياسي بين غزة والضفة وما رافقه أيضاَ من تقسيم للمؤسسات الإعلامية.

تأتي الحرية كمرتكز أولي عند أغلب عرابين الديمقراطية، يقول المفكر جون لوك في كتابه أطروحتان عن الحكومة " أن الحكومة تستمد سلطتها من رضا الشعب وأن من حق الشعب الانتفاضة على أي حكومة تهدد حرياته الأساسية" أما المفكر السياسي جان جاك روسو يبدأ كتابه العقد الاجتماعي بالعبارة التالية" يولد الإنسان حراً، ولكنه مكبل بالأغلال في كل مكان".

ومنح الإسلام الحرية السياسية والفكرية لأبناء الأمة الإسلامية، حيث ذكر القرآن الكريم أن للإنسان حرية الكلمة والعمل( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) " سورة البقرة- آية 256" ( وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)"سورة الكهف-آية 29".

وإذا نظرنا إلى تقرير المنظمة من زاوية التحليل الكمي والكيفي لوجدنا أن الدول الخاضعة للاحتلال أو\و الاقتتال الداخلي، فساد إداري ومالي في النظام السياسي، الفقر والاقتصاد المتدهور " لاوس، سريلانكا، فيتنام، كوبا، بورما، تركمنستان، كوريا الشمالية، ارتيريا.

إن وزارتي الإعلام والداخلية الفلسطينية عليهما التحسس بقلق من هذه النتيجة التي وصلنا إليها دون أي منافس، وأخذ الدروس والعبر بما نتج من قمع لصاحبة الجلالة والسلطة الرابعة، وكذلك على حركة حماس أن تعي ما تقوم به من من تكميم أفواه ومنع توزيع الصحف المحلية "الأيام، القدس، الحياة الجديدة" وإغلاق محطات إذاعية وتلفزيونية محلية في قطاع غزة ما له من ضرر على الصعيدين الوطني في كيفية توحيد الإعلام كجبهة قتال لتعرية المحتل وفضح ممارساته المنتهكة لحقوق المواطن الفلسطيني وبالأخص في قطاع غزة بعد تحويله لأكبر سجن في العالم، وأيضاً على الصعيد الدولي في كيفية وضع أيديولوجية ا لحركة في ميزان الحقوق والحريات وما نصت عليه المواثيق الدولية.

ورغم تراجع إسرائيل حسب التقرير على صعيد حرية الرأي وذلك بتبريرهم فقط ضلوع الجيش الإسرائيلي في مقتل المصور الفلسطيني الذي يعمل في وكالة "رويترز" في نيسان 2008 وهروب الجندي المسؤول عن إطلاق النار من العقاب، إلا أن ذلك التقرير لم يقم بالتعامل مع معطيات وانتهاكات أخرى يرتكبها الاحتلال سواء في التمييز العنصري بالمواد الإعلامية والإعلانية بالنسبة للمواطنين العرب في 48 وكذلك حرية الرأي والتعبير في المواقع الإلكترونية التابعة لصحيفتي " هآرتس ويدعوت أحرانوت" وأيضاً الانتهاكات اليومية التي يرتكبها جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين ضد الصحفيين والإعلاميين المحليين والدوليين.

هنا أريد أن انتقل إلى موضوع قريب ومترابط وهو توفير المعلومات، وخصوصاً ما يحدث على الساحة الفلسطينية سواء على الصعيد التفاوضي مع الاحتلال، أو على صعيد ما يسمى المصالحة الداخلية، إن توفر المعلومات للجميع يساعد على اتخاذ الرأي السياسي الذي يجدون أنه الأفضل بالنسبة لهم، ولذلك يقتضي أن تكون وسائل الإعلام حرة، وأن يسمح بالحوار المفتوح، كما يتوجب أن لا تتحكم جهة منفردة من الأطراف السياسية بالمعلومات وتحتكرها أو تعمل على تشويهها أو تلفيقها أو اختلاقها مما من شأنه أن يجعل لها ميزة غير محقة على الفئات السياسية الأخرى.

والمعلومات وسيلة هامة لإقناع الآخرين وخاصة المعارضين منهم أن وجهات نظرهم خاطئة هي من الميزات الهامة للحكم الديمقراطي، لذا فإن المجتمع الذي لا تكون فيه وسائل الإعلام حرة، ولا يسمح فيه بالحوار المفتوح والتعبير عن الآراء المتعددة مهما تضاربت واختلفت لا يمكن وصفه بالمجتمع الديمقراطي.

والأخطر على الصعيد الفلسطيني هو الخداع الذي يقوم به قادة الرأي والسياسة عند الكذب على المواطنين وتزويدهم بالمعلومات الخاطئة في محاولة لإقناعهم أن من مصلحة المجتمع "حلول معينة أو أخبار بحد ذاتها" وخير دليل على ذلك عندما نقرأ الصحف المحلية وتجد تضارب في وجهات وتصريحات المسؤول في الصحيفة الواحدة وربما في بالصفحة ذاتها!! الصدق والصراحة لدى تبادل الأفكار ووجهات النظر والمعلومات بين الحاكم والمحكوم من الضمانات الأساسية لنمو الديمقراطية وتطورها.

في النهاية إن جميع الحريات تفقد قيمتها إذا لم تتوفر الإمكانية للتعبير عن الرأي ووجهة النظر، إن حرية الرأي والتعبير..حرية الصحافة تعني غياب أي نوع من الرقابة على جمع ونشر المعلومات التي تهم الرأي العام ، بما في ذلك الرقابة على مضمون ما تنشره وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة من قبل السلطة الحاكمة، وتعني استقلال وسائل الإعلام تلك عن أية سلطة سياسية أو حزب سياسي. وتعني حق الصحفي في الوصول إلى مصادر المعلومات بما فيها الحكومية وغير الحكومية، وهي تعني أخيراً، عدم احتكار أية فئة حكومية أو سلطوية لوسائل إنتاج وتوزيع المعلومات كالورق والمطابع وموجات البث الإذاعي والتلفزيوني.