باتت المفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطينية على مفترق طرق من جديد، بعد تفاقم الازمة السياسية في اسرائيل اثر فشل وزير الخارجية تسيبي ليفني في تشكيل الحكومة الجديدة، ودعوتها الى اجراء انتخابات تشريعية مبكرة بعد لقائها الرئيس الاسرائيلي بيريز.

واذا كان الكثيرون ينظرون الى تلك المفاوضات بعين الزيبة والشك في قدرتها على التوصل إلى نتائج مفيدة، فإن أطراف العملية السلمية أنفسهم باتوا أكثر تشاؤما من المراقبين المحايدين، نظرا لعدم وجود طرف اسرائيلي قادر على التفاوض الجدي الذي لا يشكل مضيعة للوقت، وبعيداً عن وعود الرئيس بوش الذي يستعد للرحيل من البيت الابيض دون ان يقترب من الوصول الى رؤيته بحل الدولتين والمجيء بالسلام المفقود، فإن المفاوض الفلسطيني ليس أحسن حالا، في ظل الصراع بين فتح وحماس.

الوزيرة المكلفة بتشكيل حكومة جديدة تسيبي ليفني انتهت الى الاعتراف بالفشل في مهمتها التي وضعناها في مقال سابق عشية استقالة اولمرت بأنها (صعبة جدا) إن لم تكن مستحيلة، ولم يكن امامها الا خيار الذهاب الى الانتخابات المبكرة، غير أن امام الرئيس الاسرائيلي بيريز خيارات اخرى، بينها تكليف شخصية سياسية اخرى بالمهمة التي فشلت فيها ليفني، أي تشكيل الحكومة، قبل ان يدعو الى انتخابات مبكرة، وهو خيار يبقى قائما، ويبدو أن بيريز ـ هو الآخر ـ لم يكن يريده، لأن نتائج الانتخابات لن تكون في مصلحة حزبه أي (كاديما).

ليفني اتهمت الأحزاب واصحاب المواقف المتطرفة بالابتزاز، وهي تعني حزب شاس الديني الذي أصرّ على استبعاد قضية القدس من جدول المفاوضات مع الفلسطينيين، وهذا الابتزاز السياسي ليس جديدا، في العمل السياسي والعام الاسرائيلي ومن الطبيعي ان تساوم الاحزاب التي تريد المشاركة في الحكومة رئيس الوزراء المكلف على الحقائب وعلى مواقف سياسية تشترطها لتلك المشاركة، ومن الملاحظ ان الاحزاب الصغيرة هي التي تتحكم بالاحزاب الكبيرة في الكنيست وفي تشكيل الحكومة الاسرائيلية بل هي التي تقرر مصير اسرائيل ومستقبلها في كثير من الاحيان، وهذا ما عبرت عن رفضه زعيمة حزب (كاديما) الذي اسسه ارئيل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق الذي يغرق في غيبوبة مستمرة منذ ما يقرب من العامين، وهذا الرفض دعاها الى التخلي عن جهود تشكيل الحكومة.

واذا اصطدمت ليفني بحائط الصدّ هذا، فإنها اختارت التوجه الى انتخابات مبكرة، ترى معظم استطلاعات الرأي ان المستفيد الأول منها سيكون حزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو الذي يخطط للعودة الى رئاسة الحكومة من جديد بعد أن تولاها عامي (1996 ـ 1999) ثم تبعه شارون بين عامي (2001 ـ 2005) قبل ان ينشق عنه ليشكل حزب كاديما الذي يرأسه حاليا أولمرت المستقيل تحت طائلة اتهامات بالفساد.

وعدم مشاركة بعض الاحزاب السياسية ـ خاصة حزب شاس ـ بحكومة ليفني، تعود حسب مصادر المراقبين الى انها (تريد التفريط بالقدس وترفض زيادة مخصصات الاطفال والشرائح الاجتماعية الفقيرة) وهذا ما حاول مسؤولون في الليكود تضخيمه لدى الاحزاب الصغيرة، خاصة منها الدينية المتطرفة، مما جعلهم يتجهون الى المطالبة بانتخابات جديدة (مبكرة).

وتراهن الاحزاب الصغيرة مثل (شاس) على ان تعود اقوى في الانتخابات الجديدة خاصة انها تتطلع الى حكومة برئاسة (الليكود) يشكلها نتنياهو الذي تلتقي معه على التشدد في المواقف السياسية، وبالتحديد الموقف من المفاوضات مع الفلسطينيين ومع سوريا ولبنان، معا.

وتبدو خسارة ليفني وحزبها واضحة منذ الآن، لكن حزب العمل الذي تعرض لانشقاقات عديدة في السنوات الاخيرة، لن يكون افضل حالا، فهو بعيد عن السلطة منذ عام (2001). وقد لا تعيده الانتخابات القادمة شريكا فيها كما كان عام (1990) مع الليكود.

عن صحيفة الوطن العمانية