في فلسطين المحتلة القدس تدنس وتهود، ومستوطنات تقام وأخرى تتوسع والجدار يزاد طوله يوماً بعد يوم، وشهداء يسقطون شهيداً تلو الشهيد، والاعتقالات بالعشرات ومشاهد الإذلال لا تتوقف على الحواجز الاحتلالية والسدات الترابية وفي كل شبر من أرض الوطن، كل هذه الإجراءات الاحتلالية تمر بهدوء إلا من بعض الإدانات والاستنكارات التي باتت من باب رفع العتب، ولم يعد لهذه الإجراءات متسع لا في الإعلام الفلسطيني الرسمي أو الحزبي.
والحالة الفلسطينية الداخلية باتت "تصعب على الكافر" كما يقولون، فالاعتقالات السياسية وتكميم الأفواه باتت السياسية المعلنة والرسمية، وسياسية الإقصاء والإحلال في المؤسسات الرسمية لطرفي الاستقطاب بات لغة التعامل مع المناوئين وغير الملتزمين بالشرعية وفق فهمها من كل طرف من طرف، فمفهوم الشرعية في قطاع غزة بات يختلف عنه في الضفة الغربية، لا بل بات بمقدورنا عمل قاموس سياسي فلسطيني خاص لكثرة المصطلحات والمفاهيم التي بات يستخدمها سياسينا وبعض وسائل إعلامنا، والحصار يحرم المواطن الفلسطيني من حبة الدواء وكوب الحليب، ويحرمه من أداء مناسك دينه، ويحرم طلابنا من العلم والدراسة خارج حدود القطاع.
في ظل هذه الأوضاع تخرج علينا جحافل السياسيين الفلسطينيين من كل حد وصوب يعلنون التزامهم الحديدي بالقانون الأساسي وقانون الانتخابات، وإن القوانين الفلسطينية هي المرجعية لحل أي خلاف فلسطيني، يا سبحان الله، ما هذا الحرص المفاجئ على الأنظمة والقوانين؟ والسؤال الذي يوجه لكل دعاة الحرص على القوانين نقول أين كانت هذه القوانيين في حزيران 2006 ؟ هل عمليات القتل والتصفية لمئات من أبناء الشعب الفلسطيني وحرق وتدمير مؤسساته كانت وفق القانون، أم هروب الفلسطيني من أخيه الفلسطيني إلى حضن الاحتلال بات جزء من التشريعات الجديدة؟
والإجابة نعم وفق القانون، ولكن أي قانون؟، قانون تنظيمات وقادة لا تعترف إلا بالقوانين التي تحافظ على وجودها في رأس هرم السلطة حتى لو عبدت طريقهم لهذه السلطة ولطخت وكراسيها بدماء أبناء الشعب الفلسطيني بشيوخه ونسائه وأطفاله، قوانين الحفاظ والتمسك بسلطة لا وجود لها إلا على الورق وفي رؤوس هؤلاء السياسيين.
فمن يتجاوز الحق الفلسطيني والدم الفلسطيني، ويعطل المؤسسات الدستورية للشعب لن يلتفت لا لقوانين ولا لقيم أخلاقية ولا دينيه وما حديثه عنها إلا عبارة عن ذرو الرماد في العيون، ولا يحق له التحدث بشيء أسمه قانون أو دستور، ولا يرون المصلحة الفلسطينية إلا من خلال فوهات بنادق عصاباتهم التي حرفوا اتجاهها نحو صدور أبناء شعبهم وتركوا الاحتلال يعمل بكل ما أوتي من قوة وسطوه ليكمل إجراءاته القمعية ضد شعبنا الفلسطيني، لا بل الأكثر إثارة للغضب ويدفع لفقدان الصواب في الكثير من الأحيان أننا توصلنا لتهدئة جزئية مع الاحتلال وفشلنا في التوصل لتهدئة داخلية.
ففي ظل هذا الواقع المأساوي بات الحديث عن الدستور والقوانيين الفلسطينية أشبه بمسرحية تعرض يومياً في الضفة الغربية وقطاع غزة ولكنها سيئة النص والإخراج، وممثليها عبارة عن مجموعة من المهرجين، والغريب في الأمر أن هذه المسرحية تحظى بمشاهدة يومية من ما يقارب الأربعة ملايين فلسطيني وبصمت مطبق.
عن شبكة أمين