كم كان مهماً لو ان الرئيس باراك أوباما كان يخاطب العرب والمسلمين من احدى العواصم العربية او من الجامعة العربية، على سبيل الافتراض، بدلاً من تركيا.

نقول هذا الكلام لأنه بمقدار ما يبرز الدور التركي الذي اعطاه أوباما دوراً محورياً ليس في المنطقة فحسب بل ايضاً بين الشرق والغرب، حيث قال في أنقرة اول من امس: "إن عظمة تركيا تكمن في قدرتكم على ان تكونوا محوراً للاشياء. ليس هذا مكان الفصل بين الشرق والغرب بل هو مكان التقائهما"... بمقدار ما يتراجع الدور العربي ويتشظى وينحسر.

فعلاً، كان من المثير جداً والتاريخي جداً لو ان الرئيس الاميركي ألقى خطبة المصالحة مع الاسلام والمناكفة مع اسرائيل من على منبر عربي، على الاقل، لأن العرب اهل القضية الفلسطينية ولأن بلادهم هي مهد الاسلام.

زاوية التغيير الاساسية في الخطاب الرئاسي الاميركي بالنسبة الى الاسلام كانت في حرصه على التأكيد ان علاقة اميركا مع العالم الاسلامي لا يمكن ان تكون مستندة الى معاداتها لـ"القاعدة"، بمعنى انه لا يجوز وليس مسموحاً النظر الى كل مسلم بتوجس وعلى انه ارهابي، وهو الامر – المؤامرة التي دأبت الصهيونية على زرعها في اوساط الرأي العام الغربي.

أما زاوية التغيير الثانية فإنها تتصل بالقضية الفلسطينية حيث تعمّد أوباما ان يرد بحزم على حكومة اسرائيل وخصوصاً على افيغدور ليبرمان، بتأكيده ان عملية أنابوليس وخريطة الطريق تمثلان بالنسبة الى سياسته الطريق الى السلام في الشرق الاوسط.

لقد بدا أوباما كأنه يقوم بعملية ملاكمة سياسية مع بنيامين نتنياهو وهو يقول: "دعوني اكون واضحاً. الولايات المتحدة تدعم بحزم هدف اقامة دولتين اسرائيلية وفلسطينية تتعايشان بسلام وأمن. ينبغي الآن ألا نستسلم للتشاؤم وعدم الثقة... يجب ان يتخذ الاسرائيليون والفلسطينيون الخطوات الضرورية لبناء الثقة".

ولكن نتنياهو، الذي عارض ويعارض دائماً نظرية اقامة الدولتين، رد على أوباما في اطار من المراوغة عندما قال إن حكومته ستتعاون مع ادارة أوباما للوصول الى السلام، من دون أي اشارة الى عملية أنابوليس والدولتين.

هل يعني هذا ان الاقتناع المستجد في البيت الابيض بأن مصلحة اميركا مع العرب والمسلمين، وحتى ضرورات الاستقرار الدولي، تفرضان فعلاً الوصول الى تنفيذ حل الدولتين؟

هناك ما يشجع على مراهنة من هذا النوع، بما يعني ان العلاقات بين ادارة أوباما وحكومة نتنياهو قد تتحول نوعاً فعلياً من الملاكمة غير المسبوقة.

لكن المثير هو غياب الدور العربي والاستعداد الموضوعي لاطلاق خطاب يرسّخ هذا الاقتناع المستجد في اوساط الرأي العام الاميركي والغربي.

والمثير اكثر، لا بل المؤلم، ان تركيا ستكون لاعباً اساسياً في مسألة الحلول سورياً وفسطينياً وحتى ايرانياً، بينما يبدو العالم العربي مجرد ملعب او ساحة تجري اللعبة فوقها!

الادهى من ذلك كله أننا لا نتعظ او نتعلم. فعندما يستعين أوباما بالمثل التركي الذي يقول: "إن النار لا تُطفأ باللهب" لا يتنبه احد منا في لبنان ومن اهلنا في فلسطين او بين المحيط والخليج الى اننا مصرّون دائماً على اطفاء النيران العربية باللهب العربي !

عن صحيفة النهار اللبنانية