في كتابه المثير للدهشة والتساؤل الذي يحمل عنوان (عالم من المشاكل)، يوجه الكاتب الأميركي باتريك تايلر -Patrick TYLER-، تحذيراً للرئيس الأميركي باراك أوباما، من ضياع الفرصة التاريخية المتاحة له لحل مشكلة الصراع العربي - الإسرائيلي بارتكاب الأخطاء القاتلة التي ارتكبها رؤساء الولايات المتحدة الأميركية السابقون، حتى (يمكن العمل في المستقبل بصورة أفضل).
وجاء في هذا الكتاب الذي نشرت جريدة «الشرق الأوسط» ملخصاً مختصراً له في عدد 11/6/2009، أن الرئيس الأميركي أوباما «إذا ما أنهى ولايته الأولى من دون أن يسجل بعض النجاحات المرموقة في الشرق الأوسط، فإن الفرصة الأخيرة لإحلال السلام في المنطقة، ربما ستذهب سدى».
ونحن نذكر العبارات القوية التي تعهد فيها الرئيس الأميركي باراك أوباما، في خطابه الذي وجهه إلى العالم الإسلامي من جامعة القاهرة، بحلّ المشكلة الفلسطينية، والتي جاء فيها : «إن إنصاف الشعب الفلسطيني بإقامة دولة خاصة به، وإن إقامة سلام في منطقة الشرق الأوسط، مصلحة أميركية عليا يتطلبها أمن الولايات المتحدة الأميركية القومي». وهي عبارات ذات دلالة عميقة، يمكن اعتبارها على نحو ما، تعهداً من الرئيس الأميركي أمام العالم، بالعمل بكل ما تملك الولايات المتحدة من قوة ونفوذ، من أجل إحلال السلام في المنطقة، في إطار رؤية الدولتين، ومرجعية خريطة الطريق، ورؤية اللجنة الدولية الرباعية، وخطة السلام العربية، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وطبقاً للشرعية الدولية.
ولكن السياسة الإسرائيلية تسير في الاتجاه المعاكس، ليس للإرادة التي عبّر عنها الرئيس الأميركي، بل للشرعية الدولية، ولكل منطق سليم، مما يُعدُّ إجهاضاً لكل المساعي التي بذلت على مدى السنوات الأخيرة، من أجل تسوية سلمية عادلة للأزمة المستفحلة في المنطقة. فالموقف الذي أعلن عنه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو في خطابه يوم 14 حزيران (يونيو) الماضي، يغلق الباب في وجه أي محاولة جادة للوصول إلى التسوية النهائية للمشكلة المزمنة منذ أكثر من ستين عاماً، مما يعبّر عن تناقض حاد بين موقف الحكومة الإسرائيلية، وبين ما ورد في خطاب الرئيس باراك أوباما. بل يمكن القول إن الموقف الإسرائيلي الذي عبر عنه رئيس حكومة إسرائيل، يضع كلام الرئيس الأميركي أمام المحك، باعتبار أن هذا الموقف المتطرف يمثل تحدياً قوياً للإدارة الأميركية، ويشكل بالتالي، تهديداً واضحاً لمصالح الولايات المتحدة. وإذا ما وضعنا ما جاء في خطاب الرئيس أوباما أمام أعيننا، أمكن أن نقول إن رفض إسرائيل لرؤية الدولتين المتساويتين في السيادة والحقوق ومقومات الدولة العصرية طبقاً لأحكام القانون الدولي، يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية. وتلك درجة من الخطورة لسنا ندري كيف ستتعامل معها الإدارة الأميركية.
الغريب أن الرئيس الأميركي أعرب عن ارتياحه لما جاء في خطاب بنيامين نتانياهو، بخصوص الدولة الفلسطينية، على رغم أن هذه الدولة في رأي رئيس الحكومة الإسرائيلية، كيان خرافي، ودولة افتراضية لا تملك مقومات السيادة. ولعل هذا هو أول تناقض يسجل في موقف الإدارة الأميركية الجديدة تجاه القضية الفلسطينية.
في ظل هذه الأجواء الملبدة بالسحب الداكنة، وأمام هذه الحواجز الصلبة التي أقامتها إسرائيل في وجه المساعي الدولية المبذولة من أجل السلام، تتجه الأنظار إلى الداخل الفلسطيني، حيث لا تزال الأطراف الفلسطينية تتصارع وتتخاصم وتتبادل الاتهامات، وتمعن في تمزيق الصف الفلسطيني، في تجاهل تام للمصالح العليا لهذا الشعب الذي كافح طويلاً وصمد وصبر وصابر، وآن له اليوم أن يتمتع بحقوقه المشروعة الكاملة في إقامة دولته الوطنية المستقلة.
إن هذا الوضع المأسوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، والذي هو من رواسب الصراع الداخلي بين الأشقاء أبناء الوطن الواحد، يخدم مع الأسف المصالح الإسرائيلية بصورة مكشوفة. إذ لا يمكن، بأي حال من الأحوال، تحقيق أي تقدم نحو التسوية السياسية العادلة، مادامت الصراعات والنزاعات الفلسطينية - الفلسطينية تتصاعد بهذه الدرجة من الحدة، على رغم الجهود التي تبذلها أطراف عربية للمصالحة الوطنية بين الفرقاء الفلسطينيين. وستظل القضية الفلسطينية معلقة ما دام الفلسطينيون منقسمين على أنفسهم، غير متفهمين للمتغيرات الدولية التي تستدعي التعاملَ معها بواقعية ورشد سياسي وبمسؤولية، حرصاً على المصالح العليا للشعب الفلسطيني.
ثمة موقفان لا بد من العمل من أجل اتساقهما وانسجامهما في المرحلة الحالية؛ الموقف الفلسطيني الذي يتوجب أن يكون موقفاً موحداً، متراصاً، قائماً على أسس راسخة، مراعياً للمصلحة الوطنية الفلسطينية، والموقف العربي الإسلامي الذي يتطلب المزيد من التماسك والتضامن والحفاظ على الإجماع على خطة السلام العربية التي أصبحت اليوم قاسماً مشتركاً بين القمة العربية والقمة الإسلامية. وهو موقف تشوبه في هذه المرحلة شوائب تتطلب تضافر الجهود للعمل على إزالتها، حفاظاً على وحدة الصف التي ينبغي أن تتكامل مع وحدة الهدف، وهو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والجولان ومزارع شبعا، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة غير المنقوصة.
إن المصالحة الفلسطينية التي هي القاعدة المتينة للوحدة الوطنية الفلسطينية، هي السبيل لمواجهة تداعيات الموقف الإسرائيلي الحالي. وإن الوفاق العربي والتضامن الإسلامي هما الوسيلة الناجعة للتعامل مع الغطرسة الإسرائيلية، ومع التناقض الفاضح الفادح الذي وقعت فيه الإدارة الأميركية، بتجاوبها، إلى حد ما، مع خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية الذي ينكر على الشعب الفلسطيني إقامة دولته المستقلة بكامل السيادة، ويصرُّ على استثناء القدس من المفاوضات، ويردد مقولة إنها عاصمة موحدة وأبدية لدولة إسرائيل، ويرفض عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم المغتصبة.