على الرغم من أهمية الحكومة الفلسطينية القادمة كونها حكومة توافقية، وقد تشكل بداية لمرحلة سياسية جديدة إذا ما ارتكزت على برنامج سياسي وطني توافقي واضح ومحدد وبرؤية مستقبلية، إلا إن هذه الحكومة لن يكون عملها وإنجاز المطلوب منها سهلا وممهدا ومفروشا بالورود، بل ستعمل هذه الحكومة في حقل أشواك وحقل ألغام، وفي هذا لا نقصد عدم التفاؤل أو التشكيك فيها بقدر ما نقصد الصعاب والتحديات التى ستواجهها، ولذلك تحتاج هذه الحكومة إلى دعم ومساندة فلسطينية على كافة المستويات لتذليل كل العقبات التي قد تعترضها، ولتكون قادرة على إنتزاع كل الأشواك من طريقها تهيئة للحكومات القادمة من بعدها.
أهمية هذه الحكومة لا تكمن في شخص رئيسها، ولا في شخوص وزرائها أو عددهم، ولا في طبيعتها ومدتها ولا في حجم المطلوب منها، وبسلم التوقعات الذي يعلقه المواطن عليها، فهي في عين المواطن العادي حكومة حل كل المشاكل وتلبية كل المطالب. وإنما في البرنامج السياسي التوافقي الذي ستعمل في إطاره، لأن من شأن ذلك أن يوفر إطارا سياسيا عاما لأي حكومة إئتلافية في المستقبل.. ومع إفتراض إجراء الإنتخابات الفلسطينية، وحتى مع إفتراض فوز اي من الحزبين أوالقوتين الرئيسيتين "حماس" و"فتح" فإن ما يتم الإتفاق عليه الآن في برنامج هذه الحكومة قد يشكل ما يمكن البناء عليه، وعليه يمكن أن يشكل ذلك بداية لرؤية فلسطينية وطنية تسترشد بها الحكومات الفلسطينية في المستقبل. وبذلك يمكن أن نتجاوز أي عقبات في تشكيل أي حكومة مستقبلية، وفي الوقت ذاته تسمح لكل تنظيم ان يحتفظ ببرنامجه السياسي.
وفي السياق نفسه فإن كل الجهود والمحاولات العربية ينبغي ان تعمل في سياق الفهم السياسي للحكومة الفلسطينية. وإنطلاقا من هذه الرؤية للحكومة يكون من صالح الجميع، بما فيها حركة "حماس"، بأن يأتي رئيس الحكومة والوزراء على أساس توافقي، رغم أن من حقها أن تختار بل وتشكل الحكومة إستنادا على الحق الديمقراطي، ولكن الحق نفسه قد يفرض هذا الحل التوافقي لأسباب تتعلق بطبيعة الأزمة الفلسطينية وتعدد الأبعاد والمكونات التي تتشكل منها القضية الفلسطينية، فالنظام السياسي الفلسطيني تحكمه خصوصية خاصة تفرض هذه الرؤية التوافقية. وما ينبغي إدراكه أن المسألة ليست مسألة حق ديمقراطي فقط، وهو ما يؤخذ في الإعتبار، ولكن لا بد وأن تؤخذ خصوصية النظام السياسي الفلسطيني وطبيعة المتغيرات التي تتحكم في بيئته.
أهمية هذا القول تكمن في أن المشكلة أساسا ليست في الحكومة، ولا فيمن يشكلها أو في كيفية تشكيلها، ولكن المعضلة الأساس تكمن في وضع أسس ومبادئ عامة يمكن الإرتكاز إليها عند أي تشكيل حكومي، وبذلك يمكن الجمع بين الحق الديمقراطي، والحق في المصلحة العامة، والقدرة على التوفيق بينهما. ومن مظاهر هذه الخصوصية الحق في المقاومة المشروعة طالما هناك إحتلال، فلا يمكن لأي حكومة فلسطينية ان تتجاهل هذا المعيار بل ينبغي أن تبنى عليه شرعيتها، والمقابل هناك خصوصية التفاوض الذي قد تفرضه طبيعة الصراع والقضية الفلسطينية وأبعادها الإقليمية والدولية دونما أن يتعارض ذلك مع الثوابت والحقوق الوطنية الفلسطينية.. التوافق بين المعيارين من المسائل التوافقية التي ينبغي أن تقوم عليها الحكومة الفلسطينية. وطالما أن هناك قيودا ومحددات على المعيارين فيمكن التوفيق بينهما بما لا يتعارض مع المصلحة الوطنية الفلسطينية.. الإتفاق العام على هوية المقاومة وآلياتها وشكلها بما يتفق وطبيعة الصراع، فليس بالضرورة التقيد بالبعد العسكري فقط، هناك آليات لا تقل أهمية يمكن تفعيلها ، بل إن معيار المفاوضات وإذا ما أحسن توظيفه من منظور المصلحة الوطنية يمكن أن يكون شكلا من أشكال المقاومة، لأن المفاوضات في الحقيقة هي صراع إرادات وتوظيف لعناصر القوة المتاحة فلسطينيا.
وهناك بعدا مهما خاصا بالشرعية الدولية التي تريد منا تفعيلا وإحياءا يخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية. ومن المسائل الهامة التي تحتاج إلى توافق وتنسيق أولوية العمل السياسي أو بعبارة أخرى عدم خروج العمل المسلح عن الأهداف السياسية المتوافق عليها، فكل عناصر القوة بما فيها البعد المسلح مرتبطة باهداف سياسية، ولا قيمة لها دون أن تحقق أهدافها السياسية، في كل هذه المحددات يمكن التوفيق بين معيار ومحدد المقاومة ومعيار التفاوض السياسي.
ومن المسائل التى يمكن أن تسهل الوصول إلى صياغة البرنامج السياسي تعدد المرجعيات السياسية سواء الفلسطينية والدولية والتي تشكل أطارا عاما للعمل السياسي الفلسطيني ولا شك أن ذلك يشكل أحد المخارج الهامة للحكومة الفلسطينية وبرنامجها السياسي.
والقضية المهمة التي ينبغي أن يركز عليها البرنامج السياسي للحكومة هي التأكيد على مفهوم المصلحة الوطنية الفلسطينية وعلاقتها بالمصلحة القومية العربية، وحتى بالمصلحة الوطنية لكل دولة عربية أوحتى غير عربية وهذه المصلحة تنطلق من معايير فلسطينية، ومن معايير ومحددات عربية، ومن معايير ومحددات إسلامية وأخيرا دولية، وهذا التعدد نابع من خصوصية الحالة الفلسطينية وتعدد أبعادها ومكوناتها.. والعلاقة هنا علاقة تكاملية، لا يمكن أن تقوم على تجاهل أهمية إحداها، مع الأخذ في الإعتبار أولوية المحددات الفلسطينية الداخلية. ومن شأن ذلك أن يضمن برنامجا توافقيا وأكثر إستجابة وتفهما وإدراكا للمؤثرات الإقليمية والدولية. وهذا يستلزم تحديدا واضحا للأهداف والأولويات الوطنية الفلسطينية.
ويبقى من المحددات التي تحتاج الى بحث وتحليل البعد المتعلق بإسرائيل وهو ما يحتاج منا إلى تخصيص مقالة نظرا لأهميته وهذا موضوع المقالة القادمة.
عن شبكة أمين