لعل أهم ما يسم الذكرى الحادية والستين للنكبة الفلسطينية الكبرى، والتي تقابلها محطة إقامة دولة إسرائيل، ارتفاع منسوب القلق والضبابية وعدم اليقين، سواء في ما يتعلق بالمشهد الإقليمي- الدولي الذي يحاول، وبتعثر غير مضمون النتائج، مغادرة ميدان المعارك الذي افتتحته الإدارة الأميركية السابقة، وتبريد درجة حرارة العلاقات الدولية الساخنة، أو بالنسبة إلى مشهد الداخل الإسرائيلي الذي أعاد إنتاج هواجس الوجود لدى التجمع اليهودي بعد حربين شرستين خلال الأعوام الأخيرة، وظهور قوى مقاومة عقائدية تشكل تهديدا نوعيا لهذا الكيان.
فـ «عملية السلام» التي أنجبت اتفاقات ملتبسة تلفعت بها إسرائيل للتعمية على مواصلة الاستيطان ونهب الأراضي الفلسطينية، ووريت الثرى منذ فترة طويلة، فيما برزت حقائق نوعية جديدة من وسط الركام العربي والإقليمي الذي تكدس خلال العقدين الأخيرين المتخمين بالخسائر العربية والفلسطينية الصافية، أهمها تصدَع المشروع الأميركي- الإسرائيلي المسمى «الشرق الأوسط الكبير»، وإصابته بأمراض مميتة أجبرت الأميركيين على إعادة النظر في خياراتهم الاستراتيجية، ودفعتهم باتجاه انتخاب رئيس ديمقراطي من أصول إفريقية يرفع شعار «التغيير»، ويعمل، وفق المعلن من الشعارات، على إعادة عقلنة السياسة والتوجهات الأميركية. وهو ما يفسر جنوح الإسرائيليين نحو اليمين، واستدعاء عتاة التطرف والعنصرية إلى سدة السلطة.
ما تعكسه المرآة الإسرائيلية، من هذه اللوحة، على جوارها الفلسطيني والعربي، هو صورة الغطرسة والقوة العسكرية التي تغري بعض السياسيين والمعلقين الصهاينة بالتبجح والزعم بأن دولتهم باتت دولة عظمى إقليمية، حيث هناك ثمانية أقمار صناعية متطورة تمخر عباب الفضاء، ومنظومة تسلح جوية وبرية وبحرية حديثة، على رأسها صواريخ حيتس التي لا تملك أية دولة أخرى مثيلا لها، فضلا عن صناعة التكنولوجيا المتطورة التي يجري تصديرها إلى الخارج، ورزمة أخرى من الإمكانيات التي يقول المعلق بن كسيبت في «معاريف» أنه يحظر ذكرها.
وهذا يفترض، نظريا، أن يشعر الإسرائيليون بالطمأنينة والأمان، وأن يكفوا عن العويل. غير أن هذا المظهر لا يعكس سوى الجزء الظاهر من الواقع المتخم بالمعضلات والإشكاليات.
ولو بدأنا بالأوضاع السياسية الراهنة، فسنجد أننا أمام حكومة تحمل الرقم 32 في تاريخ الدولة العبرية، أي أنه كل سنتين كانت هناك حكومة جديدة في إسرائيل رغم أن مدتها الدستورية تصل إلى أربع سنين. وهذه الحكومة التي تضم عتاة المتطرفين تحاول اجتراح مقاربة سياسية ملتوية تزعم، وفق ما يرى اليكس فيشمان في «يديعوت أحرنوت»، أن إيران «ليست تهديدا وجوديا لإسرائيل فقط، فهي اصبحت «تهديدا علويا» من الدرجة الاولى لدول عربية وإسلامية أخرى. ما يستدعي، وفق الكاتب، «التعاون في ما بين إسرائيل وهذه الدول. حيث بإمكان الأولى أن تسهم، ليس فقط في الجانب العسكري الردعي، وإنما في الجانب الاستخباري المقتدر لتحقيق نتائج فعالة».
ولأن إيران تتصدر قائمة الأخطار، ولأن إسرائيل، التي ضربت إمكانيات تحقيق التسوية، حتى ضمن إطار «خريطة الطريق»، فهي تنظر إلى الحلول الشاملة من زاوية ضرب إيران أولاً. وهو ما دعا الرئيس الأميركي إلى تحذير نتانياهو، وبشكل مباشر، من مغبة الإقدام على أي فعل ضد إيران من دون التشاور مسبقا معه.
في إطار هذه المقاربة، تندرج المقاربة الأخرى المتعلقة بمسارات التسوية مع الفلسطينيين والسوريين، حيث تتوزع هذه المقاربة المتنكرة لكافة مرجعيات التسوية المعتمدة سابقا، في ثلاثة مسارات: سياسي وامني واقتصادي.
أما السياسي، فهو الدعوة لاستئناف مفاوضات السلام دون تأخير ودون شروط مسبقة (...)، فيما يتطلب المسار الامني مواصلة المحادثات التي تضم الجنرال الاميركي كيث دايتون بالتعاون مع الأردنيين والسلطة الفلسطينية من اجل دعم قوات الأمن الفلسطينية.
ويبقى الاقتصادي الذي يعني إبداء الاستعداد «للعمل معا» من اجل رفع اكبر عدد ممكن من العقبات من اجل تنمية (...) الاقتصاد الفلسطيني. وقد ترافق هذا الطرح مع تصريحات لنتانياهو، في حديث مع الصحافة الروسية، أعلن فيها أنه لن ينسحب من الجولان السوري المحتل، كون «الجولان منطقة استراتيجية من الناحية الأمنية لإسرائيل». كما ترافق مع تجديد رئيس الوزراء الاسرائيلي اشتراطه بالاعتراف بالدولة اليهودية للتقدم في عملية السلام مع الفلسطينيين، وتشكيله لجنة وزارية مشتركة، برئاسته، لتحقيق التنمية الاقتصادية للفلسطينيين، عبر اطلاق العديد من المشاريع الاقتصادية، خصوصا في جنين واريحا، وكذلك في «كسر اليهود»، وهي جزيرة صغيرة في وسط نهر الاردن.
في خضم هذا المستوى من الضبابية، تبدو صورة إسرائيل من الداخل أكثر ارتباكا وتشتتا، حيث تستوطنها عدة أمراض مستعصية تتمدد في ثنايا المجتمع المتعدد القوميات والثقافات، والذي يصنَف جدعون ليفي في «هآرتس» بعض مكوناته على الشكل التالي: العرب الذين «يستحيل أن يكونوا جزءا من شعب إسرائيل»، وسليلو الاتحاد السوفياتي السابق (نحو مليون شخص) الذين تظهر لديهم ميول الانطواء، بل واحيانا التعالي، و«الشرقيون» الذين يعيشون، في معظمهم، في إسرائيـل منذ نحو خمسين عاما، ولا يزالون قبيلة منفصلة، والاصوليون الذين يعيشون في عالمهم الخاص بعد أن بات القاسم المشترك بينهم وبين العلمانيين أصغر مما بين الأخيرين وبين ابناء الشعوب الاخرى، والمستوطنون الذين يعتبرون طائفة منغلقة، منعزلة، مختلفة ومغايرة، والشباب الذين يطورون لغـة جديـدة، غريـبـة. فيما لم يـستـطع الجيش الاسرائيلي وجهاز التعليم، اللذان يـفتـرض بـهما أن يكونا محركين لنمو الاندماج، توحيد هذه القبائل الفسيفسائية.
تحت ظلال هذا الواقع المأزوم الذي تحاول المؤسستان السياسية والعسكرية ترميمه عبر إبداء المزيد من التطرف، وتكثيف المناورات العسكرية التي تتوج بالمناورة الكبرى الاستثنائية نهاية الشهر الجاري، يصر الواقع الاقتصادي المتراجع على الإطلال برأسه، حيث أشَرت معطيات مؤسسة التأمين الوطني إلى ارتفاع حاد في عدد طالبي مخصصات البطالة. وبحسب التقارير الإقتصادية الإسرائيلية فإن هناك أسبابا كثيرة لهذا التراجع، من بينها القطاع العام المنتفخ والبيروقراطية المركبة، وعدم اندماج جمهور اليهود المتدينين (الحريديم) والعرب في القوة العاملة، ونقابات العمال القوية، وميزانية الأمن الضخمة، وعدم الاستقرار في الجهاز السياسي والوضع الأمني.
عن صحيفة الحياة اللندنية