بدلا من ان تكون الإنتخابات الوسيلة الحاسمة لتسوية الخلافات الفلسطينية، وادارتها بطريقة سلمية من خلال الإحتكام لإرادة الشعب الذي يقرر لمن يفوض الحكم والسلطة، وترسيخ مبدأ دورية الإنتخابات، ومن ثم دورية وتناوب السلطة بين القوى السياسية القائمة، وترسيخا لنظام سياسي يستند على أسس ومبادئ بعيدة عن الهيمنة السياسية الأحادية، يقوم على شراكة حقيقة، والتزام بشرعية سياسية مدنية واحدة، تتحول هذه الإنتخابات الى قضية خلاف وجدل يصل أحيانا الى حد العقم السياسي الذي يحتمي وراء الخوف من نتائج الإنتخابات المتوقعة، والنظر إليها فقط كوسيلة للوصول للسلطة، وليس مهما بعد ذلك كيف تدار هذه السلطة..!!
دون الفهم الحقيقي لوظيفة الإنتخابات ودورها في ترسيخ القيم الديمقراطية التي تضمن للنظام السياسي الإستقرار، والتوالد الذاتي لضمانات حقيقية تحول دون الانقلاب على السلطة بالقوة وحتى الاحتفاظ بها تحت ذرائع واهية ترسخ لحكم التنظيم والشخص الواحد. في هذا السياق كان يفترض ان يكون ملف الانتخابات من أسهل الملفات واقلها تعقيدا وخلافا، لأن الانتخابات وكل ما يتعلق بها من قانون أو طريقة أو اجراءات يجب أن تخضع لأعتبارات بعيدة عن الحسابات التنظيمية، فهناك العديد بل مئات التجارب القريبة من الحالة الفلسطينية التي يمكن ان يستفاد منها في وضع نظام انتخابي لا اريد ان اقول مثاليا، بل يكون أقرب إلى ملامسة الواقع السياسي الفلسطيني ومتطلباته.
والمفارقة ان كل من القوتين الرئيسيتين "فتح" و"حماس" تتمسكان بموقفهما من قضية الانتخاب، وكانت المسألة أسهل من ذلك بكثير بتحويل الملف للجنة من الخبراء القانونيين وعلماء السياسة حتى تحسم كل القضايا الخلافية، لكن حسابات السياسة الأخرى والخوف من هذه الطريقة أو تلك والتي يمكن ان تترتب عليها نتائج معينة، والمسألة بنيت على نتائج الانتخابات الأخيرة، وهذا ما يفسر لنا تمسك كل فريق بطريقة معينة لإجراء الانتخابات فهذا يريد نسبة أعلى للدائرة حتى يضمن عددا أكبر من الناخبين له، اعتقادا منه ان قاعدته الانتخابية كبيرة والآخر يريد الفردية لأنها قد تضمن فوز اشخاص معينيين في دوائر معينة، وعموما كل الطرق الانتخابية ديمقراطية سواء بالاقتراع الفردي بتقسيم اراضي السلطة الفلسطينية الى دوائر انتخابية عن كل دائرة ناخب واحد أو بالطريقة المختلطة بين الدائرة والنظام النسبي او القائمة المفتوحة.. في النهاية لا توجد طريقة مثالية، فكل طريقة لها ايجابياتها وسلبياتها، المهم ماذا يناسبنا من هذه الطرق وهذا لا يقرره السياسيون، لكن بلا شك الطريقة تحدد شكل ونتائج الانتخابات المتوقعة الى حد بعيد.
ولا شك ان الإنتخابات تحدد شكل الحكم وليست مجرد فوز فريق على فريق آخر. فالانتخابات وسيلة من وسائل النظام الديمقراطي، وتشكل أرقى درجات المشاركة السياسية، والمساءلة والمحاسبة السياسية لأي تنظيم أو حزب أو ناخب عما قام به خلال فترة حكمه.
وهي بمثابة تفويض من الشعب، ولذا يقال دائما النائب ممثل للشعب يريد ما يريده المواطنون أو الناخبون. ومن هنا تقوم الشرعية السياسية على رضا الناس وليس على القوة، ومصادرة الحقوق، وأريد هنا ان أؤكد على حقيقة سياسية هامة وهي أن شرعية أي تنظيم أو حزب تحددها الانتخابات وهذه الشرعية في حاجة للتأكيد من خلال اعادة الانتخابات وليس من مجرد أجرائها مرة واحدة، ومن هنا تبدو أهمية الانتخابات لكل من "فتح" و"حماس"، هي بمثابة تجديد وتأكيد لشرعية أي منهما، فمثلا لو فازت "حماس" في هذه الانتخابات للمرة الثانية، فلا بد من التسليم الكامل بحقها في الحكم للفترة الزمنية المقررة، ولكن الحكم هنا ليس مطلقا بل مقيدا بشرعية النظام كله، وبمحدداته، وبسماته، فلا يجوز مثلا الغاء هذه الشرعية واستبدالها بشرعية أُخرى، والأمر الآخر تحمل الحركة لكل مسؤولياتها الوطنية، وهنا الادراك الوطني بهذه المسؤوليات وأدراك ان النظام السياسي الفلسطيني له محدداته الداخلية كما الخارجية, وعلى العالم وقبله الفلسطينيون في الداخل احترام هذه النتيجة، وكما أشرت تحمل مسؤولية الحكم. ونفس الشيء ينطبق على حركة "فتح" أو أي تنظيم آخر يفوز. وحيث انه من الصعب ان تتكرر نتائج الانتخابات السابقة، وهذا قانون انتخابي، فالبيئة والمعطيات التي ستجرى فيها الانتخابات القادمة مغايرة تماما لسابقتها، لذلك قد تأتي نتائج الانتخابات بما يضمن أمران مهمان للنظام السياسي الفلسطيني ومستقبله، الأمر الأول وجود معارضة قوية، والثاني اتاحة الفرصة لمشاركة أوسع من قبل القوى الأخرى بما يضمن شراكة سياسية حقيقية، لعدم قدرة أي من القوتين الرئيسيتين على حسم الانتخابات بالمطلق مهما كانت طريقة الانتخابات المتبعة، وهذا هو المطلوب من الانتخابات القادمة.
والسؤال المهم هنا: ما المطلوب من هذه الانتخابات وما هي ضمانات نجاحها؟ هذه الانتخابات في يقيني أهم الانتخابات وقد تكون مفصلية ومحورية، لأنها تأتي بعد حالة إنقسام وصراع ورفض ولجؤ للقوة وفرض لقيم غير ديمقراطية عمقت وزرعت الكراهية والحقد بين ابناء الشعب الفلسطيني وقسمته إلى شيع وفرق، لذلك المطلوب من هذه الانتخابات ألا تكون تهديدية أو تدفع في اتجاه الإنقسام.. هي انتخابات وظيفتها أكبر من ان تكون سياسية، بل وظيفتها مجتمعية تصحيحية لكل السلبيات السابقة، وهي انتخابات تأسيسية لنظام سياسي فلسطيني جديد يقوم على أسس من الشراكة والتوافق الحقيقي، وهذا هو الأهم، ولذلك حتى تنجح لا بد من بيئة سياسية تصالحية توافقية، وبيئة قيمية تسمح بقبول نتائج الإنتخابات، وضمانات داخلية وعربية ودولية تضمن شفافيتها ونزاهتها خصوصا أن حالة من عدم الثقة والمصداقية قائمة، ولعل ما يضمن نجاحها وقبولها أن تأتي بقيادات سياسية جديدة لأن القيادات القديمة يبدو انها قد أستهلكت وفقدت مصداقيتها لدى الشعب الفلسطيني الذي عانى دون غيره من الإنقسام والصراع.
ولعل ما قد يضمن نجاح هذه الإنتخابات أخيرا هو الإتفاق على جوهر ومكونات النظام السياسي الفلسطيني وشرعيته، وبعدها ليس مهما كثيرا من يفوز في الانتخابات.
* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. drnagish@hotmail.com