إزداد الحديث مؤخراً عن المقاومة الشعبية أو المقاومة الشعبية السلمية كخيار استراتيجي للخروج من أزمة انسداد الافق السياسي بسبب التعنت الإسرائيلي، وتعطل مسار المفاوضات، فهل المقاومة الشعبية السلمية هي خيارنا الوحيد حسب ما هو مطروح؟
ان المقاومه الشعبية السلمية يجب ان تكون احدى الخيارات الاستراتيجية للمقاومة في المرحلة المقبلة، ضمن برنامج عمل وخطة استراتيجية لمنظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية، حيث أن الاستعصاء السياسي القائم يعطي المنظمة والسلطة الحق أو الفرصة لدراسة خياراتها مجددا، فإسرائيل تعيد ترتيب أوراقها حسب المرحلة، وحسب المطلوب، ويكون هناك توزيع ادوار بين الحكومة والأحزاب، حيث تمارس إسرائيل برنامج ديني استراتيجي ممنهج يهدف الى الاستيلاء على الارض والمقدسات الفلسطينية وتهويد مدينة القدس بشكل كامل، فهل لدينا نحن الفلسطينيون مثل هذا البرنامج سواء في المقاومة أو المفاوضات لاستعادة حقوقنا وارضنا المحتلة؟
عند الحديث عن المقاومة الشعبية، يكون الحديث عن خروج الجماهير بأعداد كبيرة لمواجهة الاحتلال، فهل لا زال لدينا المد الشعبي الجماهيري القادر على الخروج للشارع ضمن برنامج كفاحي ونضالي محدد؟ وهل لدى السلطة والاحزاب الفلسطينية القدرة على اقناع المواطنين على الخروج في مظاهرات سلمية كبيرة في مناسبة ما؟ حيث أن الواقع الحالي يشير انه ليس هناك بوادر لخروج الجماهير بأعداد كبيرة برغم من خطورة المرحلة والاحداث التي مرت بها الاراضي المحتلة خاصة مدينة القدس، فهل هناك شيء اكبر من الاعتداء على المقدسات وبناء كنيس يهودي بجانب المسجد الأقصى؟ لقد كان خروج شباب بيت المقدس بشكل عفوي وبدافع وطني وبدون قيادة للدفاع عن الاقصى والمقدسات مؤشرا على ان الخير لا زال في هذا الجيل الشاب، وفي هذا الشعب، بينما لم يتحرك الشارع الفلسطيني بالضفة الغربية بالشكل المطلوب الذي يتناسب وخطورة الحدث ولم يتحرك كذلك الشارع العربي والإسلامي إلا بعد حين وليس بالشكل اللازم! فما السبب وراء ذلك؟
ان تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني يتطلب منا ان نختار وسائل مقاومة تقلل الخسائر وتحقق الانجاز، ضمن برنامج واستراتيجية نضالية واضحة ومحددة الاهداف تزاوج بين المقاومة والمفاوضات، حيث يجب ان يكون هناك احتضان سياسي فلسطيني للمقاومة الشعبية عبر تشكيل جبهة جديدة للمقاومة الشعبية (على غرار القيادة الموحدة للانتفاضة) تأخذ على عاتقها برنامج تثقيفي توعوي للشارع الفلسطيني هدفه استنهاض الشارع الفلسطيني واعادة الروح النضالية له واخراجه من حالة اليأس التي تعمه،وتعميم ثقافة المقاومة الشعبية السلميه والالتحام مع كافة فئات المجتمع الفلسطيني لبناء جبهة داخلية موحدة تكون قادرة على دعوة المواطن الفلسطيني للخروج للشارع عند دعوة القيادة له وبالاعداد المطلوبة وضمن خطة وبرامج المقاومة الشعبية، وعدم إعطاء الفرصة للحكومة الاسرائيلية المتطرفة لتحويل هذه المظاهرات او المسيرات السلمية الى صدامات عنيفة تؤدي الى اشتباك غير متكافئ نكون نحن فيه الفريق الخاسر، وعدم التعامل بردات الفعل او العواطف، وان يكون هناك التفاف شعبي حول القيادة الشرعية وان نقوي موقفها في المفاوضات وفي مواجهة الاحتلال من جهة ومواجهة العالم بالحق الفلسطيني من جهة أخرى.
ومن اجل تحقيق هذا الهدف لا بد من وجود برنامج واستراتيجية فلسطينية محلية وعربية ودولية متفق عليها من جميع اطياف المجتمع الفلسطيني والقيادة ضمن الخطوط العريضة التالية:
1) التمسك بالثوابت الوطنية وببرنامج الدولة المستقلة وان تكون بوصلتنا هي الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
2) التركيز على شرعية النضال الفلسطيني امام العالم وشرح الرؤيا الفلسطينية بحقنا في النضال من اجل استرداد حقوقنا المسلوبة وكسب الرأي العام العالمي .
3) دعم ومساندة الحملة الدولية لمقاطعة اسرائيل (مقاطعة منتجات المستوطنات محليا ودوليا ومقاطعة الشركات العاملة بالجدار والمستوطنات ووقف الاستثمارات الدولية في إسرائيل).
4) النضال ضد الابارتهايد.
5) ابتكار وسائل جديدة للمقاومة السلمية تشمل تجارب الشعوب الأخرى.
6) دعم صمود الشعب الفلسطيني في مختلف مناحي الحياة.
7) الاستفاده من المنابر الدولية مثل محكمة العدل الدولية وهيئة الأمم من خلال اجراء محاكمة دولية لاسرائيل وفضحها من خلال تطبيق القوانين الدولية ( تقرير غولدستون على سبيل المثال).
أما على الصعيد العربي والدولي، فأعتقد بأنه اصبح لدينا الآن رصيد دولي يمكن البناء عليه، فمشاركة المتضامنين الدوليين المتزايده في المسيرات السلمية ضد الجدار في بلعين ونعلين والمعصره والشيخ جراح وغيرها، عزز الموقف الفلسطيني امام العالم، وبناء عليه يجب اعادة ترتيب حركة التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني في دول العالم المختلفة ضمن نفس البرنامج المقترح لتشكيل جبهة ضاغطة على اسرائيل محليا ودوليا، ويتم ذلك بقيام المؤسسات الفلسطينية بما فيها الاحزاب السياسية والمنظمات ومؤسسات المجتمع المدني بنسج وتقوية علاقاتها مع كافة الاصدقاء حول العالم على مختلف المستويات الشعبية والرسمية من اتحادات ونقابات واحزاب واعضاء برلمان وحركات تقدمية وشخصيات دولية مؤثرة في مجتمعها، والجاليات الفلسطينية والعربية ، ودعوتها للعمل معنا ضمن هذا البرنامج لبناء جبهة عمل دولية داعمه للحق الفلسطيني في العيش على ارضه بسلام لانهاء الاحتلال واقامة دولته المستقلة حسب قرارات الشرعية الدولية.
* الكاتب مدير عام دائرة العلاقات القومية والدولية في "م.ت.ف"- رام الله. - suleiman.wari@yahoo.com