لقد نجحت إسرائيل على مدار ثلاثة وأربعين عاما منذ إحتلالها للقدس الشرقية عام 1967 من شراء زمن القدس، فمنذ البداية وضعت خطتها ورؤيتها لتحويل وتغيير كل معالم القدس العربية والإسلامية، عبر سياسة ممنهجة ومدروسة، مسخرة كل الإمكانات المادية والمالية لشراء زمن القدس، فعملت على تقليص عدد السكان بتضييق الخناق عليهم، وتصعيب حياتهم، ومن خلال زيادة عدد اليهود في المدينة، فمن لا يهودي فى المدينة إلى أكثر من مائتي الف في الوقت الحاضر ليزيد عددهم عن عدد سكان المدينة الأصليين، وفي الوقت ذاته أقامت المستوطنات الواحدة تلو الأخرى بطريقة الزحف المكاني الذي يبتلع في طريقه كل معلم من معالم المدينة العربية والإسلامية تارة بهدم المنازل وإزالة الأحياء السكانية الفلسطينية تحت ذريعة عدم الترخيص، وفي الوقت ذاته كانت ترفض منح أي تراخيص بناء يتقدم به سكان المدينة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل كانت تستغل كل فرصة، وكل خطأ فلسطيني فى إغلاق المؤسسات الفلسطينية في المدينة، ناهيك عن تعرض المسجد ألأقصى لمحاولات متدرجة للسيطرة عليه من خلال البحث عن الهيكل المزعوم، وعمليات التنقيب تحت أرض المسجد، وأخيرا بمحاولة إعادة بناء الكنيس اليهودي، ولم تكتفي بذلك، بل شرعت ببناء جدار الفصل والعزل للمدينة عن محيطها الفلسطيني، لتعزلها تماما وتتحكم في سيطرتها، ولا ننسى أن إسرائيل منذ البداية جعلت من القدس مقرا لحكومتها والكنيست، وبقيت القدس قاسما وثابتا مشتركا لجميع الحكومات الإسرائيلية، واعتبرت أساسا للشرعية بالنسبة للحكومات والقوى في إسرائيل.

لقد استفادت إسرائيل من حالة الإسترخاء السياسي التي قد أوجدتها المفاوضات لتسرع من وتيرة تغيير كل معالم المدينة، وإستباق المفاوضات لفرض حالة من الأمر الواقع يصعب معها التفاوض.. وعلى مدار ثلاث وأربعين عاما تسعى إسرائيل لحشد التأييد الدولي، وخصوصا الأمريكي للإعتراف بالواقع الجديد.. وقد نجحت إسرائيل فعلا إلى حد كبير في تغيير معالم المدينة المقدسة تواجدا ديموجرافيا، وإستيطانيا، وحرصت إسرائيل بذلك على تغيير معالم القرار رقم 181الذي نص على الوضع المستقل للمدينة، ووضعها تحت حالة من التدويل الدولي، وحرصت أيضا على تغيير صور المدينة وأقصد الجزء الشرقي الذي كان خاضعا للإشراف والإدارة والحكم الأردني على المدينة منذعام 1948إلى عام 1967 بسيطرة إسرائيل الكاملة على المدينة وضمها للجزء الغربي، علما أن القرار الأممي المذكور يشتمل كل القدس.

واليوم تستمر إسرائيل في سياستها غير مكترثة بالمفاوضات من عدمها، بل وتسارع خطواتها لمصادرة ما تبقى من زمن قصير لمصادرة القدس بالكامل. والسؤال هل الفلسطينيون والعرب والمسلمون قادرون على شراء هذا الزمن المتبقى، والحفاظ على ما تبقى من هوية عربية وإسلامية للمدينة، والحفاظ على المسجد الأقصى وأولى القبلتين، وثالث الحرمين؟ فلسطينيا، الوضع لا ينبئ على التفاؤل كثيرا في ظل إستمرار الإنقسام الذي يصر الفلسطينيون عليه، لتتحول معه قضية القدس الى معركة سجال بين القوتين الرئيسيتين "فتح" و"حماس"، وتباري كل منهما بالتأكيد على موقفه الوطني، بخروج المسيرات، وبالتنديد، وبنفس الخطاب السياسى من قبل ثلاثة وأربعين عاما، وكان من المفترض أن يكون الرد المنطقي إنهاء الإنقسام وتوحيد الجهود والإمكانات الفلسطينية المحدودة.. لقد أتيحت فرصة كبيرة للفلسطينيين بعد قيام السلطة لتثبيت الوجود الفلسطيني، وتثبيت المؤسسات الفلسطينية، لكن لم يُستفد من هذه الفرصة، ولم يملك أهل القدس إلا الصمود والتمسك بأرضهم ومنازلهم ودفع الثمن من مالهم ودماء أبنائهم، واليوم القضية لم تعد تحتمل التأخير، تحتاج الى سياسة واضحة، ومواقف موحدة بعيدا عن التنافس في تسجيل المواقف.

وعربيا، وعلى الرغم من الدعم المالي الذي قدمته الدول والشعوب العربية لكنه لم يرقى إلى مستوى شراء المدينة، وصحيح تم تشكيل الجنة العربية العليا للقدس، وأخيرا بدأنا نسمع عن محاولات شراء أراض ومبان في القدس من قبل عدد من الدول العربية، لكن بقياس الزمن، وبقياس مكانة القدس الدينية، تبقى الجهود العربية قليلة، وبعد أيام قليلة ستعقد قمة عربية، والسؤال ماذا يمكن أن تقدم هذه القمة للقدس؟ لقد كان يفترض أن تكون القدس قضية تفاوض عربيه وإسلامية، وليس فلسطينية فقط. وأكتفينا فقط بالقدس عاصمة ثقافية عربية، وأما الوضع على المستوى الإسلامى وعلى ومستوى مؤتمر الدول الإسلامية، فالوضع ليس أحسن حالا من الوضع العربي. لم يتبقى كثيرا من الوقت لشراء ما تبقى من زمن القدس، فهل الفسطينيون قادرون على إنهاء إنقسامهم؟ وهل الدول العربية والإسلامية قادرة على اتخاذ القرار الذي يحفظ هوية القدس العربية والإسلامية؟